‏إظهار الرسائل ذات التسميات تيار التحرر الديني. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات تيار التحرر الديني. إظهار كافة الرسائل

الأربعاء، 10 نوفمبر 2010

علي شريعتي ..مفكر في قلب الثورة


 

علي شريعتي مفكر إيراني شيعي مشهور. اسمه الكامل: علي محمد تقي شريعتي. ولد قرب مدينة مشهد عام 1933، وتخرج من كلية الآداب بها عام 1955، ليُرشح لبعثة لفرنسا عام 1959 لدراسة علم الأديان وعلم الاجتماع ليحصل على شهادتي دكتوراه في تاريخ الإسلام وعلم الاجتماع. انضوى في شبابه في حركة مصدِّق وعمل بالتدريس واعتقل مرتين أثناء دراسته بالكلية، ثم بعد عودته من فرنسا، حيث أسس عام 1969م حسينية الإرشاد لتربية الشباب، وعند إغلاقها عام 1973 اعتقل هو ووالده لمدة عام ونصف. ثم سافر إلى لندن، واغتيل عام 1977 قبل الثورة الإيرانية بعامين عن 43 سنة. الرأي السائد أن ذلك تم على يد مخابرات مخبارات الشاه كما ايد ذلك حسن العلوي في كتاب عمر والتشيع. يعتبر الدكتور علي شريعتي نموذج فريد من مفكري إيران. حيث أنه بالرغم من أنه فارسي العرق، لم يكن يتوقف عن نقد النزعة الشعوبية لدى رجال التشيع الصفوي، بطريقة أكثر جذرية من غالب من تصدَّى لهذا الموضوع من الأدباء العرب. وقد بَيَّن آلية المزج في الموروث الشيعي الروائي ما بين السلطة الإيرانية الساسانية والنبوة الإسلامية، حيث اختُلِقَتْ الروايات ونُسِجَتْ الأساطير وعلاقات المصاهرة بين إمام الشيعة الحسين بن علي وبنت كسرى المزعومة: لتحقيق غرض الوصل بين السلسلة السلطانية الساسانية وبين السلطة الإمامية الشيعية، ولبعث العناصر الفارسية في صلب التشيع.

وبالرغم من كونه شيعياً متعصباً (يصف مجموعة من كبار الصحابة بأنها باعت شرفها وجمعت نقودها ببيع كل حديث بدينار) فلا فائدة في رأيه من الشعائر والطقوس الحسينية التي يتهم الحكامَ الصفويين بأنهم اقتبسوها من المحافل المسيحية في أوروبا الشرقية التي كانت تحيي فيها ذكرى شهدائها، وبأنهم حولوا الإمام الحسين إلى صورة عن آلام Passion المسيح. وحتى يتم صبغ هذه الطقوس والشعائر بالصبغة الإيرانية، أدخل الملالي عليها بعض التعديلات لتوافق الذوق الشعبي الإيراني وجعلوها موائمة للأعراف والتقاليد الوطنية والمذهبية في إيران. أما لغة هذه الطقوس فهي لغة التصوف وأعمال الدراويش ومبالغات خطباء المنابر وشعراء العامة.

 

رؤيته للتقريب المذهبي

كان من اللازم في ظل ما تعيشة الأمة من تفتت وانقسامات وتشردم وخلافات بل وحروب يطفو المذهبي فيها علي السياسي أن نستعيد ونستذكر بعض الأصوات العاقلة الهادئة عسي أن تكون هذه الكلمات حجراً في بركة راكدة.

يُعد فيلسوف الثورة الإسلامية في إيران الشهيد الدكتور علي شريعتي الملقب ب"المعلم" واحداَ من القلائل الذين تجردوا عن هوي التمذهب والتشدد أو التخاصم، وسعي بكل ما أوتي من قوة إلي لملمة الصفوف تجاه الوحدة بل إنه قد خصص كتابا يُعد معلما من معالم الفكر الشيعي في العصر الحديث ألا وهو " التشيع العلوي والتشيع الصفوي".

ولد علي بن محمد تقي شريعتي في مزيتان في منطقة خراسان عام 1933 نشأ في أسرة متدينة معروفه بالفقه والعمل، ونشط وهو في الثانوية العامة في التيار الذي قاده رئيس الوزارء السابق مصدق ثم تخرج بتفوق من كلية الآداب ليُرسل في بعثة دراسية لفرنسا، ويحصل علي الدكتوراه واحده في علم الاجتماع الديني والأخرى في تاريخ الإسلام، وهناك كان علي اتصال بجبهة التحرير الجزائرية والتقي مفكرى فرنسا البارزين أمثال فرانز فانون وسارتر، ثم عاد الي إيران ليؤسس"حسينية الإرشاد" وهو المعهد الذي هاجم فيه تعصب رجال الدين من الشيعة ضد السنة، ثم مالبث أن أعتقل مرات في فرنسا وفي إيران لتبنيه أفكاراً إصلاحية ثورية كبناء الدولة الإسلامية وإعادة صياغة الذات والمجتمع اقتصاديا وسياسيا واجتماعيا وثقافيا علي نحو إسلامي حقيقي، كما اهتم بجوهر المساواه والعدل وتنقيه الإسلام مما شابه عبر القرون، خلف لنا حوالي مائة وعشرون (120) عملاً ما بين الفلسفي والأدبي والاجتماعي والسياسي كلها تتخذ من الإسلام القبس، استشهد في لندن علي يد جهاز المخابرات التابع للشاه- آنذالك- السافاك عام 1977

يشيد كاتبنا بالرؤية التي يتمتع بها شيخ الأزهر السابق محمود شلتوت وإخوانه في تدعيم حركة التقريب بين المذاهب الإسلامية ويصف هذا الدور بأنه واع ومسئول، هذا بخلاف وجود النفوس العالية التي تأبي الهزيمة أمام دسائس المتصيدين في الماء العكر من أعداء الداخل والخارج.


 انتشار العدوين وانحسار الأخوين

يعزو شريعتي انتشار الخلاف والخصام المذهبي إلي ما يُسميه انتشار العدوين المتآخيين "التشيع الصفوي والتسنن الأموي" وانحسارالأخوين " التشيع العلوي والتسنن المحمدي"، فما هو التشيع الصفوي والتسنن الأموي؟

التشيع الصفوي: نسبه الي الدولة الصفوية التي حكمت إيران وزعمت انحدارها من نسل الإمامة لتُضفي شرعية زائفة علي سلطتها الزمنية، ويري المعلم أن الحركة الصفوية ورجال الدين المرتبطين بها عملوا علي إضفاء الطابع المذهبي وبعث القومية الإيرانية والوطنية لتبدو في صورة وشاح ديني أخضر، وركزت أجهزة الدعاية الصفوية علي نقاط الإثارة والاختلاف بين السنة والشيعة وأهملت نقاط الاشتراك، وحرصت علي تعطيل أو تبديل أو إهمال الشعائر والسنن والطقوس الإسلامية المشتركة بين المسلمين، ويرفض ماكانت تقوم به هذه الدولة عبر رجالها الذين كانوا يجوبون الشوارع ويُرغمون المارة والعامة علي لعن الشيخين "أبي بكر وعمر"، ويصف هذه الأعمال ب"الوحشية والإرهابية" ويؤكد أن السباب والشتيمه واللعن هما من منطق التشيع الصفوي، ويرمي شريعتي هذا النوع من التشيع بأنه "تشيع الجهل والفرقة والبدعة، وتشيع المدح والثناء للسلطات، وتشيع الجمود والركود بتأدية طقوس عبادية ومذهبية دخيله علي التشيع الأصيل، وهو تشيع ندب الحسين، وتشيع يُعطل مسؤليات المسلم، وهو تشيع للفكر الصفوي الدخيل".

التسنن الأموي:الذي يستغل عنوان المذهب السني لتمرير المخططات الرامية لفرض الهيمنة علي مقدرات الشعوب، وتبرير أعمال السلاطين، والتبرع بالأحكام والفتاوي الجاهزة، لتتناغم مع التوجه الرسمي للحكومات، ف"التشيع الصفوي" وقرينه "التسنن الأموي" كلاهما مذهب اختلاف وشقاق، والحقد والضغينة هي من خصائصهما، لأن كليهما يمثلان الإسلام الرسمي، وكلاهما دين حكومي، الأول لتبرير الحكم الصفوي والثاني لتبرير الوجود الأموي في موقع الخلافة.

وبكل شجاعة وندرة يُصرح الشهيد أن "كل رموز التشيع الموجود في إيران وشعائره، رموز مسيحية ومظاهر مسيحية، أدخلها الصفويون علي يد طلائع الغزو الفكري الغربي، لكي يفصلوا إيران تماما عن الإسلام السني، الذي كان مذهب الدولة العثمانية عدوتها التقليدية، كما أن الصفويين قد ارتكبوا ذلك الخطأ الفادح بالتحالف مع الأوروبيين ضد العثمانيين مما أودي بإيران وبالدولة العثمانية معاً"، وينهي بقوله " ولو خرجت كل المظاهر الدخيلة علي التشيع فلن يبقي هناك أي خلاف يذكر بين مذاهب الإسلام".

ويرد مفكرنا علي التخاصم والتقاذف الحاصل بين أنصار التشيع الصفوي وبعض رجال التسنن الأموي بأن غرض هذه الأمور هي خلق الأحقاد بين المسلمين، واستغفال الأذهان لمسائل هامشية وقضايا مفتعلة، وكل مامن شأنه الإسائة إلي حقيقة الولاية، والشيع العلوي والمنهج الحسيني وتشوية صورة الحوزة العلمية الشيعية الكبري في أذهان الجيل المثقف.

أما "التشيع العلوي" فهو حركة ثورية، تمارس الجهاد فكراً وسلوكاَ، لتواجه الأنظمة ذات الطابع الاستبدادي والطبقي، وهذا التشيع يتبني إقامة العدل، ورعاية حقوق الجماهير المستضعفة، وهو تشيع الوحدة والسنة، فشعار هذه المدرسة هو ثقافة الاستشهاد ونشر الحق وإقامة العدالة، وإن الشيعي العلوي هو الذي يسير علي خطي ونهج الإمام علي بن أبي طالب.

ويخلص شريعتي إلي أن الحل في أسلوب الطرح، والنهج المتبع في المناقشة والاحتجاج، فالسبيل الوحيد الكفيل بتحقيق ذلك هو توفير قاعدة علمية مشتركة وراسخة بين الأَخوين المستعدَيَيْن " التشيع العلوي " و"التسنن المحمدي" لمواجهة العدوين المتآخيين " التشيع الصفوي" و" التسنن الأموي".

ويصل بشريعتي الأمر الي القول بأن" الاختلاف بين التشيع العلوي والتسنن المحمدي ليس أكثر من الاختلاف بين عالمين وفقيهين من مذهب واحد حول مسألة علمية... وأن التشيع العلوي والتسنن المحمدي طريقان متلاقيان من يسير في أحدهما لابد أن يأتي اليوم الذي يلتقي فيه مع صاحبه ليصبحا معاً وحدة واحده" وفي المقابل فإن " المسافة بين وجهي التشيع العلوي والتشيع الصفوي هي عين المسافة بين الجمال المطلق والقبح المطلق".


 نموذج علــي مؤســس "الوحدة الإسلامية"

يقدم الشهيد شريعتي شخصية الصحابي إمام المتقين ورابع الخلفاء الراشدين علي بن أبي طالب، كنموذج حي وراقي، لعملية تأسيس الوحدة الإسلامية والترفع عن الخلافات، والسعي المتواصل نحو التوحيد لا التشتيت، فيقول عن علي بن أبي طالب" كان أول من وضع حجر الأساس وأرسى قواعد الوحدة في المجتمع الإسلامي، أول من قدم القرابين وضحي، وتحمل أثقل ضريبة، ودفع أغلي الأثمان التي يمكن للإنسان الراقي والسامي لمستوي الكون أن يدفعها من أجل الوحدة" وهو يقدم شخصية الإمام باعتبارها باعثة علي التمسك بشعار الوحدة، وشعار التفاهم، وشعار المسيرة الواحدة، والصف الواحد ضد العدو الخارجي، بل إنه يسرد بعض الأمثلة التاريخية المعبرة عن المنطق المعتدل المنصف للتشيع العلوي كاستعانة الخليفة الثاني عمر بن الخطاب بالإمام علي في بعض المسائل الفقهية أو المشكلات الحياتية، وهذا المنطق يضاهي في اعتداله منطق علماء التسنن المحمدي فمثلا كان علماء التسنن المحمدي يقرون بالفضل للإمام جعفر الصادق، وهذا الإمام الشافعي يعلن محبته لآل البيت، وذاك الإمام مالك بن أنس يرفض أن يُعمم علي المسلمين فقهه بقرار من الخليفة المنصور، ويعلن شيخ الأزهر محمود شلتوت عن فتواه بجواز التعبد بالمذهب الجعفري، هذه مجرد أمثلة يضعها كاتبنا ليوضح الفرق بين منطقين.


قيام إسلام رسالي أممي بلا مذاهب

يري الأخ الشهيد في المرحلة الثالثة من مراحل مشروعه الفكري النهضوي الكبير "العودة الي الذات الإسلامية" ضرورة العمل علي قيام إسلام عالمي أممي، لا تُكونه قومية أو عرقية أو نعرات مذهبية، بل يكون الإسلام الرسالي هو الجنسية وهو الوطن، ويعطي مثالاً ب"اتحاد الغرب الرأسمالي مع الغرب الشيوعي، وبالأمس كان اتحاد المسيحية والاستعمار أو توافق المسيح والقيصر" وبالتالي " فلابد من قيام العالمية الإسلامية" وينبغي أن "تسكت الخلافات المذهبية تماماً وأن تُدرك مصادرها وتبعاتها وعواقبها والأيدي التي تحركها، وهي الأيدي نفسها التي تحرك مبدأ فصل الدين عن السياسة وتقصد بالدين الإسلام فحسب".


 دور العلماء في النظر للآخر المذهبي

ينادي كاتبنا بأعلي صوته على العلماء من الطرفين فيخاطب علماء الشيعة ويقول " علي علماء ومفكري الشيعة أن يوضحوا أن أجهزة الدعاية للتسنن الأموي تستغل الأقاويل والمزاعم التي يتشدق بها رجالات التشيع الصفوي للإساءة إلي كل الشيعة، وتشويه صورتهم عند إخوانهم السنة، وفي المقابل فإن أجهزة دعاية التشيع الصفوي تفعل الشيء ذاته، فتقتنص أقاويل ودعاوي ومزاعم النواصب والوهابيين وتلصقها باسم السنة جميعا"

ويحث علماء السنه علي التحري والتروي فيقول" على العلماء المخلصين من السنة أن يفندوا هذه المزاعم ويدفعوا هذه الشبهات التي تثار ضد إخوانهم من الشيعة وليقولوا لأبناء جلدتهم أن الشيعة هم من صلب الإسلام لا غير، ليسوا أعداء للمسلمين، ولا حلفاء للصهاينة...لكي لا يقعوا في شرك الأعداء وينشغلوا عن معاداه اليهود والنصاري الذين تسللوا الي عقر دار المسلمين بمعاداة إخوانهم الشيعة".

هكذا رسم لنا شريعتي صورته عن التقريب بين أهل المذاهب بقبول الاختلاف وإحسان الظن والبعد عن التشنجات وإعادة قراءة التاريخ وأحداثه بصورة نقدية ومغربلة، كي لا نقع في خطيئة التراشق بالتكفير والزندقة وأن ننتبه الي ما ينسجه أعداء الأمة للوقيعة بين أصحاب الملة الواحدة.


حرب داخل الدين

لا يستطيع قارئ علي شريعتي، المفكر الإيراني الإصلاحي، في الذكرى الخامسة والعشرين لاغتياله على أيدي شرطة الشاه السرية، أن يحدِّد بوضوح موقعه الفكري، على الرغم من إسهاماته العميقة في تجديد النظرة إلى الدين. وهو، كأيِّ مفكِّر إشكالي، تقاطعت لديه رؤى متعارضة وثنائيات صعبة، فَرَضَها المشهدُ السياسيُّ والثقافي في لحظة تاريخية، هي حقبة الخمسينيات والستينيات من القرن العشرين التي تعددت فيها الإيديولوجيات والتيارات الحزبية، وانتعشت التيارات اليسارية والشيوعية وحركات التحرر الوطني في آسيا وأفريقيا، وظهرت إزاءها محاولات لاسترداد الهويات القومية والوطنية، من جهة، والهوية الإسلامية الجامعة، من جهة أخرى.

بعد ربع قرن من غيابه تلاحقت التطورات والإخفاقات والارتكاسات الفكرية، وانقلبت التيارات والأحزاب على نفسها، وانحسرت موجات التحرر الوطني، وارتفع صوت التفرقة على صوت الوحدة، وصوت المغالاة على صوت الاعتدال. أضحت الصورة أكثر تداخلاً وقتامة. وبهذا ازدادت مقاربة أفكار شريعتي صعوبة، لكنها اغتنت، مع ذلك، بدلالات جديدة وعِبَر مفيدة.

وقد قُرِئَ شريعتي عربيًّا في أعقاب الثورة الإيرانية، عبر ترجمات ضحلة وعبارات مرتبكة. إلا أن دُورًا، منها "دار الأمير" اللبنانية، سعت، احتفاءً بذكراه، إلى ترجمة جيدة لمجموعة آثار شريعتي الكاملة إلى العربية. ومن مفارقات هذا الرجل أن الثورة الإيرانية التي عبَّدت مؤلفاتُه طريقَها، باعتراف قادة الثورة أنفسهم، ما لبثت، بعد انتصارها وتسلُّمها زمام الدولة ومقاليد السلطة، أن أدارت له ظهرها أو قدَّمته إلى أجيال ما بعد الثورة بكثير من التردد والتوجس، لأن قراءته ثانية ستكشف، لا محالة، عن اختلالات عميقة في إيقاعات الثورة أو الدولة.

يمثل شريعتي، الذي كان يواظب على محاضراته في حسينية الإرشاد آلافُ الطلبة الجامعيين الإيرانيين، بإشكاليته الفكرية التي أثارت حفيظة الطبقة الدينية التقليدية وغضب السلطة الشاهنشاهية، مظهرًا من مظاهر أزمة المصالحة العسيرة بين العناصر المتنافرة في المجتمع الإيراني الذي كانت تتجاذبه تجلِّياتُ الأنماط السلوكية التغريبية والأفكار التحديثية، متزامنة مع ذيوع المقولات اليسارية والشيوعية ذات المنحى الكفاحي الإيديولوجي، من جهة، ومن جهة أخرى، عمق الهوية الشيعية الإيرانية في نفوس العامة وفي أركان المؤسسة الدينية التقليدية.

في ضوء هذا المسعى التصالحي حثَّ شريعتي على ضرورة اقتباس التجارب الغربية وتوظيف الوسائل الإعلامية، كالتلفزيون والمسرح والسينما، في شؤون الحياة الاجتماعية والاقتصادية والعلمية، دون المساس أو التعارض مع الدين. بل لقد رأى أن هذه الوسائل تخدم الدين وتساعد على نشر الأفكار والعقائد والثقافة الإسلامية. ويصف شريعتي هذه المصالحة بأنها حضارية راقية، تعبِّر عن التقليد بشكله الإيجابي الواعي. أما التقليد الذي يستحق الإدانة والشجب، في نظره، فهو التقليد الأعمى.


التوفيق

ويمتص شريعتي الكثير من المقولات والمفاهيم المختلفة المنتزَعة من حقول الدراسات والعلوم الإنسانية الحديثة التي كان متضلعًا فيها، بحكم اختصاصه في جامعة السوربون في علم الاجتماع الديني وتعرُّفه على أساطين الفكر، مثل ريمون آرون وماسينيون وجاك بيرك وهنري ماسيه وسواهم. وهو يعيد توظيف هذه المفاهيم لبناء نظريته التوفيقية التي تؤالف بين التراث والعصر. لكن شريعتي لم يستطع حجب العناصر المقتبسة؛ وحيث أراد أن يكون معاديًا للماركسية، كما يقول داريوش شايغان في ما هي الثورة الدينية؟، مدَّ يده إلى جعبة مصطلحاتها ومقولاتها (ص 299). فشاعت في متون كتاباته الغزيرة كلمات مثل: "البنية التحتية" و"البنية الفوقية" و"الحتمية التاريخية" و"الجدلية" و"الطبقات المسحوقة" و"الفوارق الطبقية" و"أفيون الشعوب"!

كذلك استثمر، على المستوى نفسه، العبارات التراثية، مثل: "المستضعفين" و"المظلومين" و"البيعة" و"الوعاظ" و"الإمامة" و"الولاية"، والرموز الدينية، مثل: قابيل وهابيل وقارون وبلعام بن باعورا، واتكأ على الأسماء القرآنية، مثل: الطاغوت والتوحيد والشرك.

واقتبس شريعتي، الذي تعمق في فهم تاريخ الأديان، من أطروحة هنري برغسون تفريقَه بين "الدين المنغلق" و"الدين المنفتح"، ليستخدم هذا التفريق نفسه لبناء ثنائيته الشهيرة التي تميز بين "دين السلاطين" و"دين العامة"، وبين التشيع العلوي (الحق) والتشيع الصفوي (المنحرف).

وشريعتي، الذي ينظر إلى الغرب نظرة إعجاب وارتياب في الآن عينه، يقرُّ بالمسيرة العلمية التصاعدية التكاملية التي وصل إليها الغرب وتفوَّق فيها على الشرق. إلا أنه ينكر عليه تفوُّقه على الشرق في المواضيع الأخلاقية والمواضيع المعنوية! ومن منطلق أن الثقافة ذات خصوصية تكدست بمرور الأجيال المتعاقبة في تاريخ شعب من الشعوب، وصنعت الرأسمال المعنوي له، كان منطقيًّا لديه أن يدعو إلى العودة إلى الذات لإصلاحها من الداخل. ولا عجب إزاء هذا المنظور الذاتي أن نرى شريعتي يتقبَّل ما جاء في الجهاز المفهومي للعقيدة الشيعية التي أرساها منذ قرون طويلة علماءٌ مثل الطوسي والطبرسي والمفيد والمرتضى والحلي؛ لكنه يعيد قراءتها وتأويلها على ضوء علم الأديان الحديث وعلى ضوء المقولات السياسية اليسارية والإيديولوجية الكفاحية، فيعيد تفسير "الإمامة" و"العصمة" و"الوصاية" و"الولاية" و"التقية" و"الغيبة" و"الشفاعة" وكل المفردات العقائدية الشيعية، بعد أن يجرِّد هذه المقولات من بُعدها الميتافيزيقي ويقف على أبعادها الاجتماعية والسياسية، كاشفًا آلية استخدام هذه المقولات التي نيطت بالتشيع الصفوي لترسيخ نمط الحكم الشاهنشاهي، ومبلوِرًا ما يسميه محمد أركون "الإيديولوجيا التي تتكلم بلغة روحانية"، والمتزامنة مع "لاهوت التحرير" المسيحي في أمريكا اللاتينية.

في هذا المقام التأويلي التوفيقي نزع شريعتي، بخطوة متقدمة ودراية اجتماعية، مفهوم "الإمامة" من مباحث علم الكلام الإسلامي الكلاسي، باتجاهاته الفلسفية التجريدية التي أبقت هذا المفهوم داخل نطاق المقولات والدلالات النظرية والافتراضية، وأدخَلَه في صيرورة الواقع المأزوم وأروقة الاجتماع السياسي، "فاتحًا بذلك كثيرًا من الأبواب المغلقة في المعرفة الإسلامية"، حسب عبارة عبد الرازق جبران في كتابه عن علي شريعتي، مضيفًا بذلك إشكالية الإنسان الاجتماعي وحاجته إلى القيادة الرشيدة ومعتبِرًا الدورَ الاجتماعي معيارًا لجدوى الأفكار أو لتفاهتها. وبهذه النظرة الاجتماعية الواقعية للإمامة تملَّص شريعتي من ذيول المنازعات التي اشتجرت بين المسلمين الأوائل وأراقت الكثير من المداد والدماء، رافضًا الشورى والنص كليهما، ليجعل الخلافة قائمة، لا بالعوامل الخارجية، مثل الانتخاب أو التعيين أو النص الإلهي، غير مقتصرة على سلالة أو قبيلة أو فئة، بقدر ما هي حصيلة حقٍّ ذاتي ناشئ من ماهية الشخص، ومن تشخيص الجماهير له، وتقبُّل إطاعته، والاقتداء به عن قناعة لا يرقى إليها الشك.

وعلى ضوء هذا الاتجاه الاجتماعي وضرورة التصدِّي لمسائل العصر وقضاياه، ينتقد الكاتب أولئك الفقهاء التقليديين الذين ينكبُّون على ألف مسألة شرعية في آداب التخلِّي (الدخول إلى بيت الخلاء) دون أن يقدموا مسألة واحدة أو حكمًا شرعيًّا واحدًا يتعلق بالمصير المشؤوم الذي ينتظر الأمة والبلاد. وإذ يعتِّمون على حقوق الشعب، يستفيضون في الحديث عن حقوق السيد على عبده (!)، ويتجاهلون كل اللغط حول الرأسمالية والبرجوازية، والاقتصاد الاستعماري والعلاقات الطبقية، وحقوق العامل والمستثمر والفلاح، وصاحب الأرض، والمنتج والمستهلك، وفوائد رؤوس الأموال، إلى ما هنالك.

وبآلية القياس التي يتبناها شريعتي لإقامة علاقة تكافؤ بين بنيتين مختلفتين، وزمنين مختلفين، تقوم علاقة استمرارية بين حلقات الماضي وحلقات الحاضر. ويحاول توظيف هذه العلاقة ليوحِّد بين مصطلح "الحتمية التاريخية" ذي البعد الماركسي، والنزعة المهدوية النشورية، ويجعل من مستقبل التاريخ، المدفوع بحركة الصراع بين الطبقات، مدارًا لمسار مدفوع، هو الآخر، بحركة العدالة والعناية الإلهية، انتصارًا للحق على الباطل، وللمظلوم على الظالم، وللضحية على الجلاد.


دين ضد الدين

وتمثل هذه النظرية القياسية بين الثنائيات المتناقضة، القائمة على قانون التدافع البشري، وبين قاعدة اللامساواة والصراع والتعارض بين الاستكبار والاستضعاف، منذ بداية التاريخ البشري الذي دُشِّن بالجريمة الأولى التي اقترفها قابيل بحق أخيه هابيل، والمستمرة حتى اليوم – تمثل هذه النظرة جوهر المنظور التاريخي لعلي شريعتي. وحركة هذا الصراع الثنوي المانوي بين الشيطانية والملائكية، بين القطبية السلبية والقطبية الإيجابية، تتكرر عنده بأشكال وصور شتى، ما دام الماضي يماثل الحاضر، وما دامت حركة الصراع دائمة على مسرح الحياة البشرية.

وعلى قاعدة هذا التناقض يكشف شريعتي أن العالم الذي لا يعيش إلا في كنف الحضارات الدينية، لأن الدين بُعد أساسي في نشوء الأمم والمدنيات، يعاني من مواجهة دائمة وأساسية بين دين ودين. ومن هنا جاء عنوان كتابه: دين ضد الدين. أما الأول فهو "الدين المنفتح" الذي يلبِّي أشواق الناس وتطلعاتهم؛ والثاني هو "الدين المنغلق" على عقائده الجامدة المتحجرة الذي يستلب إرادة البشر. ويَسِمُ الدين الأول بأنه دين الوعي الثوري الاحتجاجي ذو الإيديولوجية الكفاحية؛ والثاني الدين المنحول والموروث والتقليدي، الخاضع لمصالح الثالوث السلطوي، حسب تقسيم الأنثروبولوجي الديني الشهير جورج دوميزيل الذي تبحَّر في أديان الشعوب الآرية والهندوروبية، فوجدها تقوم على تحالف طبقة الحكام والطبقة الاقتصادية وطبقة الكهنوت. وهذه السلطة المثلثة تتبدل وجوهُها عند شريعتي عبر التاريخ، ولا تتبدل وظائفُها ومصالحها؛ وهي تظل ماثلة في كل مجتمع عبر صور القوة والمال والدين.

وحيث إن كل دين يرسو في البداية على جادة الحق والصواب، قبل أن تضع هذه السلطة المركَّبة يدها عليه وتحرفه عن مساره، فإنه يتحول، بعامل الخوف والجهل والمُلكية والتمييز الطبقي، إلى دين تبريري تخديري، إلى "دين أفيوني"، حسب عبارة شريعتي المنتشَلة من الجعبة الماركسية. وهذان القطبان المتعارضان المتناقضان في داخل كل دين، أو بين دين وآخر، مستمران في حربهما واحدهما ضد الآخر منذ بداية النوع البشري.

لكن يجب ألا يُفهَم من هذا الكلام أن شريعتي ينتقد أصل التدين كما كانت حال ماركس، عندما قال كلمته المشهورة: "بالنسبة إلى ألمانيا، اكتمل جوهريًّا نقد الدين، ونقد الدين هو الشرط المسبق لكلِّ نقد." إنما ينحو شريعتي إلى تصويب مسار الدين، وتعديل دوره في خدمة الناس، وإلى إيقاف الإسلام على قدميه. القدوة الكربلائية

لأن الإسلام اليوم "إسلام مقلوب"، حسب عبارة شريعتي ذاته، وبهذا الوقوف يتجرد من الأحكام الخاطئة والمسبقات والقبليات والتشوهات التي تركت بصماتها عليه، لا يستعيد الدين الإسلامي، أو التشيع الأصيل – بل كلُّ دين – نقاوته أو أصالته الأولى، إلا باستعادة دوره الاجتماعي والروحي وفعاليته الواقعية ومراميه التغييرية. وهذه الفعالية الاجتماعية هي جوهر كل دين، بصرف النظر عن أبعاده الفكرية أو العقائدية الأخرى. وبدون هذا الأداء الاجتماعي فإن الدين يفقد غايته وعلة وجوده. فكلُّ شيء، في نظر شريعتي، ينزع إلى ذاته وحسب ولا يكون وسيلة لمأرب أو هدف، يفقد فائدته وقيمته، مهما كان مقدسًا. لذا كان إسلام شريعتي على الدوام إسلامًا احتجاجيًّا اعتراضيًّا. ومن هنا عزا داريوش شايغان إلى شريعتي تمثيله النموذجي الإيديولوجي الذي يحوِّل الأفكار إلى قوة تاريخية. وبهذا المعنى ينحو في دراساته إلى الإيغال في الإيديولوجيا الكفاحية التحررية، وينتقد فكرة القضاء والقدر التي خاض فيها المتكلِّمون المسلمون طوال العصور الغابرة، لأن الجبرية لديه تعني الخضوع والاستسلام. في حين أنه يكرِّس نفسه لرفض الواقع والانحياز إلى كلمة "لا"، كما يقول، والثورة على الظلم والفساد.

وفي حياته كان شريعتي مؤازرًا لحركات التحرر الوطنية، وعلى رأسها الثورة الجزائرية، وانضوى في شبابه في حركة مصدِّق، ثم في حركة المقاومة الوطنية التي أنشأها طالقاني وبازركان وزنجاني. وتحت وطأة هذه النظرة الإيديولوجية الكفاحية لدور الدين، نظر شريعتي إلى الإنجازات الفنية والجمالية والهندسية ذات الطابع الديني نظرة نفعية فحسب، واعتبر الجمالية المعمارية في المساجد والتزويق والزخرفة زوائد لا قيمة لها وإضافات تحجب حقيقة العبادة. في حين أن المسجد – "برلمان الشعب" – مركز ومظهر من مظاهر الألفة والانسجام بين الناس وفضاء توحيدي يذيب الحدود والفواصل والطبقات. كذلك يحسب الحسين الشهيد قدوة وكربلاء مدرسة. ولا فائدة في رأيه من الشعائر الحسينية التي يتهم الحكامَ الصفويين بأنهم اقتبسوها من المحافل المسيحية في أوروبا الشرقية التي كانت تحيي فيها ذكرى شهدائها، وبأنهم حولوا الإمام الحسين إلى صورة عن آلام Passion المسيح. ولصبغ هذه الطقوس والشعائر بالصبغة الإيرانية أدخل الملالي عليها بعض التعديلات لتوافق الذوق الشعبي الإيراني وجعلوها موائمة للأعراف والتقاليد الوطنية والمذهبية في إيران. أما لغة هذه الطقوس فهي لغة التصوف وأعمال الدراويش ومبالغات خطباء المنابر وشعراء العامة.

ولم يتوانَ شريعتي، الذي يصب جام غضبه على رجال التشيع الصفوي المتعصبين والمتعنتين والمتحالفين مع السلطة الشاهنشاهية، عن نقد النزعة الشعوبية عند هؤلاء، بطريقة أكثر جذرية من كل من تصدَّى لهذا الموضوع من الأدباء العرب. وقد حلَّل في كتابه التشيع العلوي والتشيُّع الصفوي آلية المزج في الموروث الشيعي الروائي ما بين السلطة الإيرانية الساسانية والنبوة الإسلامية، حيث اختُلِقَتْ الروايات ونُسِجَتْ الأساطير وعلاقات المصاهرة بين أئمة الشيعة وبنات كسرى لتحقيق غرض الوصل بين السلسلة السلطانية الساسانية وبين السلطة الإمامية الشيعية ولبعث العناصر الفارسية في صلب التشيع.

بل من مفارقات شريعتي الإشكالي التوفيقي أيضًا أنه لا يلبث، في بعض الأحيان، أن يتزحزح عن موقعه ومنطلقاته وعن رؤيته التجديدية الإصلاحية، ولكن تحت ضغط حصار المناهضين له الذين يتهمونه بالزندقة والمروق، فيقرُّ بما سبق له أن غالَطَه وناقَضَه، ويشهد أمام الملأ في إحدى ندواته أنه شيعي يتشبث بأصول العقيدة وبعين ما جاء في الموروث المتداول بين الناس. بل إن المفارقة تبلغ مداها وذروتها حينما يفاضل شريعتي، الأستاذ الجامعي الذي درس في أرقى الجامعات الفرنسية، بين الجامعة والحوزة، فيؤثر الطريقة الحوزوية في التعليم على طرائق التدريس الأكاديمية الجامعية!

المصدر، ويكيبيديا أكتوبر 2010

السبت، 23 أكتوبر 2010

النضال القبطي..المواطنة بلا جعجعة



د . محمد سعد أبو العزم




" أي نعم ..فأنتم إخواني أيها الإخوان المسلمون، أنتم إخواني وطنًا وجنسًا، بل إخواني نفسًا وحسًا، بل أنتم لي إخوان ما أقربكم إخوانًا؛ لأنكم في الوطنية إخواني إيمانًا، ولما كانت الوطنية من الإيمان، فنحن إذن إخوان في الله الواحد المنان. فإذا كنتم أيها الإخوان المسلمون، قد فقدتم الحاكم الأكبر، الخالد الذكر، فحسبكم أن تذكروا أن هذا الرجل الذي أسلم وجهه لله حنيفًا، قد أسلم روحه للوطن عفيفًا، حسبكم أن تذكروه حيًّا في مجده، كلما ذكرتموه ميتًا في لحده، وما من شك أن فضيلة الشيخ "حسن البنا" هو حي لدينا جميعًا في ذكراه، بل كيف لا يحيا ويخلد في حياته رجل استوحى في الدين هدى ربه، ففي ذكره حياة له ولكم. ومن ذا الذي يقول بهذا هو "مكرم عبيد" صديقه المسيحي، الذي عرف في أخيه المسلم الكريم الصدق والصداقة معًا، ولئن ذكرت فكيف لا أذكر كم تزاورنا وتآزرنا إبان حياته، ولئن شهدت فكيف لا أشهد بفضله بعد مماته، وما هي – وأيم الحق – إلا شهادة صدق أُشْهد عليها ربى؛ إذ ينطق بها لساني من وحى قلبي".

                                           صورة الزعيم مكرم عبيد 
 
هذه الكلمات خطها الزعيم الوطني الراحل "مكرم عبيد" في مجلة الدعوة -لسان حال جماعة الإخوان المسلمين- في الذكرى الثالثة لرحيل الأستاذ "حسن البنا" مؤسس الجماعة، وهي الكلمات الخالدة التي تعبر بصدق ووضوح عن منهج "مكرم" في التعامل مع الطرف الآخر للوطن، ورؤيته في قضية الوحدة الوطنية، والتي وضع إطارها النظري، ثم جعلها في موضع التنفيذ، ليحل بذلك الإشكالية التي يراها البعض صعبة، في الالتزام بمبادئ وتعاليم الدين، مع الحفاظ على متطلبات المواطنة واحترام حقوق الطرف الآخر، وهو بذلك يقدم لنا نموذجًا يحتاج منا إلى وقفة وفهم، لنعرف كيف يمكن التعامل مع مثل تلك القضايا الحساسة.

البداية كانت من خلال فهم "مكرم عبيد" الدقيق والواضح للعدو الحقيقي، وإلمامه بتفاصيل معركة الحرية التي خاضها، ويخوضها من بعده كل من يسعى للإصلاح، وتغيير حال الوطن إلى الأفضل، فالعدو من دون شك ليس في الداخل، وهو يعتبر "أننا في معاركنا الداخلية أشبه بالسمك، يرتطم في شباك الصياد فيحسب نفسه في عراك، فإذا كان هذا هو الجهاد، أو ما انتهى إليه في نظرنا هدف الجهاد، فهنيئًا بالصيد للصياد". وفي العام 1938 يعلق "مكرم عبيد" وسام شرف جديد على صدره، عندما يرفض أمام عصبة الأمم الاعتراف بأن المسيحيين في مصر أقليات، أوفي حاجة لحماية أي دولة غربية، وعارض أن يربط انضمام مصر لعضوية المنظمة الدولية، بتعهد الحكومة المصرية بكفالة حقوق الأقليات، فمثل هذا التعهد قد يساء فهمه، وربما يتم استغلاله ضد مصلحة مصر عندما يراد التدخل في شؤونها. بل وأكثر من ذلك فقد قام بقيادة الأقباط نحو رفض أي تعديلات في دستور 1923، بما يضمن تمثيل نسبي للأقباط في البرلمان، لأنه اعتبر أن فكرة هذا التمثيل هادمة للوحدة الوطنية، وموجبة للتفريق بين أفراد الشعب، وأكد على تضامن الأقباط مع المسلمين في مطالبهم بإلغاء الفكرة.

عرف عن "مكرم" إتقانه الشديد للغة العربية، وتطويعها لمنطقه وأفكاره، وما زال البعض يحفظ خطبه وحكمه عن ظهر قلب، ومن بين ما نسترجعه الآن قولته الشهيرة: "نحن مسلمون وطنًا، مسيحيون دينًا" وهي ليست من المجاملات كما يظن البعض، وليست من المحسنات اللفظية كما يظن آخرون، لكنها تعبير عن فهم حقيقي للتفاعل بين الإسلام والمسيحية، في ظل وحدة اللغة والثقافة والحضارة في هذا الوطن ، ويخطئ من يظن أن تلك الفترة التي عاشها "مكرم" لم تكن تخلو من المنغصات الطائفية، أو من بعض الحوادث والاشتباكات التي تحدث كل فترة بين المسلمين والأقباط، ولكنه كان يتميز بإجادته التعامل مع مثل هذه المواقف، فحين حدثت في أيامه تلك المواجهة التي أثارها بعض الموظفين الأقباط، نتيجة إحساسهم بالتمييز بسبب ديانتهم، وهضم حقوقهم، حينها لم يلعب "مكرم" على الوتر الطائفي لتحقيق مصالح شخصية في الأوساط القبطية، وإنما خطب في جموع الموظفين وأعلنها صريحة "أنه من الحرام أن تثار مسألة قبطي ومسلم بعد أن قبرناها، وغسلنا ما خلفته من أرجاس، بدماء شهدائنا الزكية، فكلنا مصريون وطنًا ودمًا وشعورًا، ومن العبث تكبير مثل هذه الحوادث التافهة، ومحاولة استغلالها، فما هي إلا زوبعة في فنجان، وليعلم الناس قاطبة أن اتحادنا- أستغفر الله بل وحدتنا- قد أصبحت مضرب الأمثال عند أمم الشرق جميعًا، بعد أن عجزت الحوادث والتجارب عن أن تنال منها منالاً، فقد كنا وسنكون جميعًا مصريين لمصر، وإذا استدعى الأمر.. فأنا أطلب منكم أن تأخذوا دمي فدية، واتركوا وحدتنا سليمة، ولئن غاظكم أن أكون أكثر احترامًا للنبي الكريم من بعضكم، وأن أرى في رسول الله أسوة حسنة للناس يتشبهون به في أمانته، وقد بعث ليتمم مكارم الأخلاق، لئن غاظكم ذلك.. ولم يغظكم إخلاصي لوطني، فاطلبوا إلى الله أن يهبكم شيئًا من الإخلاص، وهو تعالى مصدر الإخلاص، واذكروا ما جاء في الحديث القدسي "الإخلاص سر من أسراري، أودعه قلب من أشاء من عبادي"

انتهى كلام مكرم عبيد والذي يوضح مدى فهمه لقضية الوحدة الوطنية وتفاعله معها، ولعل استدلاله الدائم بالقرآن والسنة ليس مستغربًا، فقد وصفته الأستاذة "منى مكرم عبيد" في كتابها القيم "مكرم عبيد كلمات ومواقف" بأنه كان مطلقًا قارئًا حافظًا للقرآن الكريم، والأحاديث النبوية، بجانب حفظه للتوراة والإنجيل، ولذلك فلا نستغرب أن يحظى بشعبية هائلة، وقبول وحب من جميع أطياف الشعب، وخير دليل على ذلك اكتساحه للانتخابات التشريعية في محافظة "قنا" مسقط رأسه، أمام منافسه "أحمد ياسين" في انتخابات حقيقية ونزيهة، وذلك على الرغم من وجود النزعات الطائفية والعصبية العائلية المعروفة في صعيد مصر.

كثيرة هي الرسائل التي يوجهها "مكرم عبيد" لنا الآن، لنفهم كيف نتعامل مع الواقع وندير بوصلة الوطن في اتجاهها الصحيح، لقد قدم "مكرم" لكل قبطي المعنى الحقيقي للمواطنة، وقيمة الانتماء للحضارة الإسلامية، كما قدم لكل مسلم البرهان على أن حب الوطن وتقديم التضحيات ليس حكرًا على ديانة بعينها، وبالرغم من مرور عشرات السنين على رحيله، إلا أن كلماته لا تزال تحيا بيننا، وسيظل دعاؤه خالدًا: "اللهم دينًا عن الدنيا، أو فارفع دنيانا إلى مستوى الدين، اللهم اجعلنا نحن المسلمين لك وللوطن أنصارًا، ونحن النصارى لك وللوطن مسلمين".

الأربعاء، 27 يناير 2010

الفكر الإسلامي والفرص الضائعة..قراءة في مشروع المسيري


بقلم الدكتور السيد ولد أباه

عكست الخلافات الحادة بين قيادة "الأخوان المسلمين" في مصر التي ظهرت للسطح خلال انتخاب المرشد الجديد للجماعة، الأزمة العميقة التي تعاني منها الحركة الأم للتيارات الإسلامية السُنية.




وفي ما وراء الصراع البارز بين الكتلتين "المحافظة" و"المجددة"، يبدو من الجلي أن الجماعة لم تعد قادرة على استقطاب القاعدة الشبابية التي تتأرجح بين التيارات السلفية العقدية و"الجهادية" والعزوف عن السياسة والاكتفاء من المشروع الإسلامي بجانبه التربوي الدعوي.

وكان أحد قادة الجماعة، قد دعا مؤخراً إلى وقفة مراجعة جريئة لأولويات واستراتيجيات الحركة، معتبراً أنها فشلت في برنامجها السياسي، ولم تطور مشروعها الفكري، ولم تقدم إضافات نوعية في الدراسات الشرعية والفقهية.

لكن ما غاب عن القيادي "الإخواني" هو أن هذه المراجعة يجب أن تطال المشروع الإسلامي في مقوماته الفكرية وأسسه المنهجية ذاتها.

من هذا المنظور، تتعين الملاحظة أن الفكر الإسلامي المعاصر أضاع في السابق فرصاً حقيقية للانطلاق، وهو اليوم في اتجاه إضاعة إمكانات متاحة للتجدد والمراجعة الذاتية.

كانت الفرصة الضائعة الأولى يوم أُحجم في بدايات ومنتصف القرن الماضي عن مشروع "محمد إقبال"الفلسفي، واختار بدلًا منه مشروع كاتب باكستاني آخر هو الداعية السلفي "أبو الأعلى المودودي". تتجلى الفروق بين الرجلين في محاور ثلاثة:

- في حين قام مشروع "تجديد الفكر الديني" لدى إقبال على مفهوم "الحركة"، الذي اعتبره مفتاح نظرة الإسلام للكون ومعيار تأويل النص، اتسمت نظرة المودودي بالنصانية المغلقة بذريعة الاستناد لمرجعية السلف، ورفضاً لكل عدة تأويلية جديدة.

- في حين دعا إقبال إلى الانفتاح على الفلسفات الحديثة، التي كان شديد التشبع بها، معتبراً أنها توفر للفكر الإسلامي إمكانات نظرية خصبة،كرس المودودي مقولة "الغزو الثقافي"، التي تنظر للفكر الإنساني الحديث كمجرد تيارات هدامة أنتجها اليهود والصليبيون لتحطيم الإسلام والقضاء عليه.

- في حين دعا محمد إقبال إلى تجديد الجوانب التشريعية والقانونية في الفقه الإسلامي من منظور مقاصدي منفتح، بلور المودودي مقولة "الحاكمية"، التي أخرجها من مفهومها الكوني الذي ضبطه المفسرون الأوائل (تحكم الله في كونه وخلقه)، لتصبح إطاراً مرجعياً لنظرية سياسية للحكم، أفضت تلقائياً إلى أعتى النزعات التكفيرية المتطرفة الراهنة. وهكذا ضاع مشروع "إقبال"، الذي لم يعد يستثير اهتماماً يذكر في الفكر الإسلامي المعاصر.

وقد أضاع هذا الفكر فرصة ثانية بعزوفه عن الإمكانات النظرية الخصبة التي حملها مشروع المفكر الجزائري "مالك بن نبي"، مستبدلاً إياه بكتابات "سيد قطب"، التي هيمنت على الأيديولوجيا الإسلامية منذ ستينيات القرن الماضي.

لم تكن لبن نبي ثقافة "إقبال" الفلسفية والقانونية ولا جرأته الفكرية، بيد أنه كان واعياً أشد الوعي بحقيقتين بارزتين هما: أن موضوع النهضة يقتضي إحداث تحول تاريخي نوعي في الثقافة والمسلك الاجتماعي لا يمكن للمسلمين تجنبه، ولم ير فيه ما يتعارض مع ثوابت دينهم، وأن لا قيام للدائرة الإسلامية خارج كتلة جنوبية واسعة (محور باندونج) توفر لهم أفقاً استراتيجياً موازيا لمركز النظام الدولي المتمحور حول القطبين المتصارعين (الولايات المتحدة والاتحاد السوفييتي).

في مقابل هذا التصور العقلاني الاستراتيجي، اختار الإسلاميون منهج "القطيعة" و"العزلة" إزاء مجتمعهم وعالمهم، وتبنوا أطروحة "قطب" في الحاكمية والنزوع الانقلابي للطليعة المؤمنة.

وعلى الرغم من الوعي المتزايد بالآثار الفادحة التي خلفها هذا الموقف فكرياً وسياسياً، فإن الخطاب الإسلامي السائد يبدو في أكثر نسخه "اعتدالا" و"انفتاحاً" محجماً عن فرصة راهنة متاحة للمراجعة الذاتية والانطلاقة المتجددة.

استبدل الإسلاميون خطاب سيد قطب بكتابات المفكر المصري الراحل "عبدالوهاب المسيري" الغزيرة ، التي تعتبر اليوم المرجع الأكثر تجدداً وانتشارا لدى التيارات الإسلامية السياسية.

صحيح أن الرجل واسع الثقافة، لبق العبارة، معتدل المواقف، لم ينتم لتيار تنظيمي بعينه، بيد أن مشروعه النظري يعاني من ثغرتين جليتين هما:

أولاً: قراءته للحداثة من منظور "العلمانية الشاملة"، التي تعني بالنسبة له "الرؤية المادية والعدمية "للطبيعة والإنسان. فهذا التصور الثقافوي المشط لحركية الحداثة يكرس من منطلقات جديدة نفس المقاربة الانفصالية المنغلقة التي طبعت نظرة التيار القطبي للحداثة "الغربية"، فضلاً عن كونها تتضمن أغلاطاً فادحة في قراءة الفكر الغربي الذي يبدو انه ولج إليه من بوابة النقد الأدبي الضيقة (كنظرته السطحية لداروينية نتشه ويهودية دريدا..).

ثانياً:محاكمة الاتجاهات ما بعد الحديثة في الفلسفة والعلوم الإنسانية من منظور مرجعيات الحداثة (الدفاع عن العقل الكوني، وأحادية المعنى وثبات الطبيعة الإنسانية) مع الاستناد إلى هذه الاتجاهات بصفة غير واعية في الدفاع عن فكرة "الحداثة الإسلامية"، التي لا معنى لها إلا في سياق القول العقلانيات والتأويليات المتعددة. وهكذا يصبح البديل الذي يقدمه "المسيري" مزيجاً من حداثة ناقصة ومشوهة وما بعد حداثة خفية وملتبسة.

ومن الواضح أن الإسلاميين يقبلون على كتابات المسيري لما تولد لديهم من وهم القدرة على مقارعة الفكر الغربي من الداخل وبنفس المنطق والبرهان، في حين أنها صياغة نظرية راهنة للمقاربة القطبية نفسها.

وقد فات التيارات الإسلامية الاستفادة من ما تعرفه الفلسفة الإسلامية راهناً من مظاهر إبداع وتجديد، من تجلياتها:

- مشروع "طه عبدالرحمن " الساعي لتجديد الدين من خلال نهضة عقلانية تستخدم الأدوات الكونية في النظر، لاستثمار آفاق المجال التداولي الإسلامي.

- هرمنوطيقا "عبد الكريم سروش" الساعية لتحرير معين الدلالة في النص الإسلامي، من منظور القارئ الراشد المنتج للمعنى.

- مشروع المفكر السنغالي "بشير سليمان ديان" الساعي لاستئناف الإبداع الفلسفي في الإسلام من منظور الأدوات الابستمولوجية الجديدة.

تحمل هذه المشاريع إمكانات نظرية خصبة للخروج من مأزق الأيديولوجيا الإسلامية شرط القراءة المتمعنة والتحرر من آفة التبسيط ومزالق التعبئة.

النص الأصلي للمقال بجريدة الاتحاد الإماراتية.

الخميس، 21 يناير 2010

تجربة محمد عبده.. العمل الأهلي حياة أمة "كتاب للدكتور مجدي سعيد"


-بقلم الدكتور مجدي علي سعيد
غلاف  كتاب العمل الأهلي حياة الامة
غلاف كتاب العمل الأهلي حياة الامة

عرف الناس الإمام محمد عبده مصلحا ومجددا تلميذا للسيد جمال الدين الأفغاني، وإن اختلف عنه في اقترابه من الإصلاح، لكن القليل هم الذين يعرفون عن الإمام تجربته في العمل الأهلي، ومن أجل ذلك جاء كتاب "العمل الأهلي حياة الأمة.. تجربة الإمام محمد عبده"، والذي صدر لكاتب هذه السطور خلال شهر أغسطس من هذا العام 2009 ليعرف القراء، خاصة أولئك المعنيين والمهتمين بالعمل الأهلي في الساحة المصرية والعربية، وقد كان الكتاب في الأصل بحثا قدمته في ديسمبر من عام 2005 في احتفالية مكتبة الإسكندرية بمئوية الإمام محمد عبده.

العمل الأهلي.. سياقات ودوافع

تجربة الإمام محمد عبده كما يقدمها الكتاب هي بنت لسياق زمانها ومكانها، وهي أيضا نتاج لدوافع لا تنفصل عن تلك السياقات، فالأمة المصرية، وهي جزء من الدولة العثمانية، كانت تعاني ضعفا عاما، تجلى في مصرنا في شكل تغلغل للنفوذ الاقتصادي والثقافي الغربي، وقد جاء هذا التغلغل مظهرا من مظاهر التواجد الذي تضاعف من 3 آلاف أجنبي عام 1837 إلى ما يزيد على 260 ألفا عام 1917، وقد تجلى تغلغل النفوذ في فرض نظام الامتيازات الأجنبية على بلدان الدولة العثمانية ومنها مصر، وهو النظام الذي كان يتيح وضعا مميزا للأجانب من الناحية القانونية تجعل منهم كأنهم أصحاب البلد، وأهلها هم الأجانب فيها، أما النفوذ الاقتصادي المتغلغل للأجانب فقد تجلى في زيادة الاستثمارات الأجنبية وسعيها إلى السيطرة على القطاعات الحيوية للاقتصاد المصري ممثلة في الزراعة والصناعة فضلا عن التجارة، وتكدست تلك الأموال في البنوك والمؤسسات المالية الأجنبية التي باتت تغرق المصريين في الديون لتستولي على ما لديهم من عقارات، وتمتص بذلك دماء المصريين.

أما النفوذ الاقتصادي فقد جاء في خلفيات الصورة متمثلا في زيادة أعداد المدارس الأجنبية في مصر حتى وصل الإجمالي إلى 228 مدرسة أجنبية عام 1913، تضم ما يقرب من 5 آلاف تلميذ، بداية من مدرسة واحدة عام 1828، وفي نفس الوقت تزايدت أعداد الجمعيات الأهلية الأجنبية العاملة في مصر لتصل إلى 66 جمعية عام 1913.

وفي المقابل تدهورت الأحوال الاجتماعية/ الاقتصادية لعموم الشعب المصري، وتجلى ذلك في التوزيع غير العادل لملكيات الأراضي الزراعية وحرمان ما يقرب من 2.5 مليون فلاح من أي حيازة زراعية، أما عمال المهن والحرف في مصر فقد باتت أحوال طوائفهم الـ64، والتي كانت تضم 64 ألف عامل عام 1870، في تدهور مستمر منذ دخول الصناعات الحديثة للبلاد، وبعيدا عن الفلاحين والعمال كانت فئات من المجتمع المصري تقع في دائرة التشرد والتسول والبغاء وانعدام الاستقرار في العمل.

وفي هذا الجانب من الصورة أيضا كانت ملامح النهضة التعليمية الوليدة، والتي شهدت موجتين، الأولى في عهد محمد علي باشا، والثانية في عهد الخديوي إسماعيل، كانت تلك النهضة الوليدة توأد في عهد الاحتلال الذي اتبع سياسة تقليص ميزانيات التعليم و"نجلزته" واقتصار الغرض منه على التوظف في خدمة الاحتلال البريطاني.

كل تلك العوامل مجتمعة شكلت وعي الإمام الشيخ محمد عبده، إضافة إلى مكون حب الخير في نفسه، ووعيه بأهمية الدور الأهلي متمثلا في ذلك الوقت في الجمعيات الخيرية والتعليم الأهلي، والذي كان محورا لحياة واهتمام الإمام إصلاحا له وبه، وهو الميدان الذي أجمع عليه كل المصلحين والوطنيين في ذلك الوقت على اختلاف مشاربهم، دفعا في اتجاه نهضة واستقلال البلاد.

جهود الإمام في العمل الأهلي

لم يخل طور من أطوار حياة الإمام محمد عبده من اتخاذ العمل الأهلي من خلال الجمعيات الخيرية سبيلا للانخراط في العمل العام وحمل همومه، فقبل نفي الإمام بعد الاحتلال البريطاني شارك في عام 1878 في تأسيس جمعية المقاصد الخيرية، والتي كانت "من قبيل الجمعيات الخطابية في مصر"، والتي "كان من عملها الانغماس في أمور السياسة، واجتماع أعضائها للخطابة والتداول في أمور كثيرة، وتكوين رأي في كل أمر من هذه الأمور للمجاهرة أو المطالبة به في الوقت المناسب"، وهو لون من ألوان جمعيات التداول في الشأن العام، والذي بتنا نفتقده كثيرا في بيئاتنا العربية، كما شارك الإمام في هذا الطور من حياته في تأسيس "جمعية المساعي الخيرية" عام 1881، وهي من أوائل الجمعيات الخيرية القبطية في مصر، والتي تولى رئاستها بطرس غالي بك، والتي "أنشأت المشغل البطرسي بمدارسه الابتدائية والأولية والتدبير المنزلي والفنون الطرزية، وقامت بتعليم عدد كبير من أبناء الفقراء، ابتدائيا وثانويا وعاليا".

أما في منفاه فبالإضافة إلى جمعية "العروة الوثقى السرية"، وهي جمعية كانت ذات طابع سياسي، فقد ساهم الإمام في بيروت في تأسيس "جمعية التقريب بين الإسلام والمسيحية" عام 1884، والتي "كانت تعمل على إزالة الشقاق بين أهل الأديان والتعاون على محو الاستعمار من الشرق وتعريف الإفرنج بحقيقة الإسلام من أقرب الطرق".

درة أعمال الإمام

تأسست الجمعية الخيرية الإسلامية –وهي من أكبر الجمعيات التي عمل لها ومن خلالها الأستاذ الإمام- في عام 1892 بعد عودته من المنفى، وقد كان الشيخ محمد عبده عضوا بمجلس إدارتها منذ تأسيسها وحتى عام 1900 حينما تولى رئاسة مجلس إدارة الجمعية حتى وفاته عام 1905.

كان الغرض الذي أسست من أجله الجمعية هو "مساعدة فقراء المسلمين المصريين والإعانة على تربيتهم"، وخلال فترة عمل الإمام بمجلس إدارة الجمعية تعاون مع المجلس على زيادة موارد الجمعية التي كانت تنحصر في التبرعات والاشتراكات، وعلى تنشيط هذه الموارد عن طريق الترويج لأهداف الجمعية والحث على الاشتراك في عضويتها، بحيث تزداد هذه الموارد، ومن أجل ذلك وبعد فترة وجيزة من تأسيس الجمعية وبهدف تنظيم جمع التبرعات لصالح أغراض الجمعية تكونت لجنة من أبرز أعضائها ضمت إلى جانب كل من إبراهيم باشا رشدي رئيس الجمعية وأحمد السيوفي باشا أمين الصندوق الإمام الشيخ محمد عبده وعددا آخر من الأعضاء.

وقد تقدم الشيخ محمد عبده وعدد من أعضاء الجمعية بمشروع لفتح فروع للجمعية في المديريات والبنادر والمراكز؛ مما كان له أثره في تزايد شأن الجمعية في فترة وجيزة وزيادة الإقبال على الاشتراك في عضويتها، وزيادة التبرعات لحسابها، وقد اقترن تولي الشيخ محمد عبده في عام 1900 رئاسة الجمعية بالقيام ببعض الإجراءات لتحسين الموارد المالية للجمعية، ومنها تقليل شرط الانتخاب لعضوية مجلس الإدارة من 6 إلى 4 جنيهات، وقبول زكوات الأعضاء عن أموالهم المودعة بدفاتر التوفير، وتأجير المحلات المملوكة للجمعية في مدن مصر، وقد ساهم في ذلك أيضا زيادة حركة وقف الأراضي الزراعية لصالح الجمعية ونشاطها في شراء وبيع الأراضي من فوائض الأموال.

كان من أهم أغراض الجمعية التي عملت على تحقيقها من خلال اللجنة التي أشرف عليها الإمام "تعليم أبناء الفقراء من المسلمين تعليما متميزا يحفظ لهم شخصيتهم الدينية والقومية، وأن يكون بالمجان، وأن يكون التعليم متميزا من حيث المنهج والهدف، حيث يحقق التعليم في مدارس الجمعية هدفين أساسيين؛ هما: اكتساب المهارات الحرفية للعمل في ميدان الصناعات والحرف، والثاني نشر لون من التعليم يحافظ على الثقافة العربية والإسلامية خصوصا، وفي 13 يناير 1893 قام الإمام على رأس وفد بمقابلة مدير عموم الأوقاف للحصول على مكان لإقامة أول مدرسة في القاهرة، وكانت الجمعية قد وضعت أساسا للتوسع في نشر التعليم يقوم على قاعدتين هما: مد يد العون للمدارس التي تقبل العمل بنظام الجمعية، وبشرط أن تكون في حاجة حقيقية إلى مد يد العون من الجمعية، وأن يكون التعليم فيها على الطراز الذي تقرره الجمعية.

وقد لوحظ الإقبال على مدارس الجمعية منذ البداية، فقد أشار تقرير لجنة المدارس في نوفمبر 1894 إلى أن مدارس الجمعية تحتوي على 336 تلميذا من أبناء الفقراء يتعلمون مجانا وتنفق الجمعية على تعليمهم ألف جنيه في السنة بخلاف نفقات الإدارة العمومية، وقد كانت الفترة التي تولى فيها الشيخ محمد عبده رئاسة الجمعية من أزهى فترات التعليم في تاريخ الجمعية، ففي حين أقر المجلس تطوير برامج التعليم وطرق التدريس في مدارس الجمعية فقد توسعت الجمعية أيضا في عهده في قبول التلاميذ وفتح مدارس جديدة في أنحاء مصر، ومن تلك التحسينات: إدخال اللغة الأجنبية إلى برامج التعليم، واشتراط الكفاءة في المدرسين، وقبول بعض التلاميذ بأجر، وقد استمر الازدياد في عدد مدارس الجمعية حتى وصل إلى 9 مدارس عام 1911، جاوز تلامذتها 3 آلاف تلميذ، وقد نشطت الجمعية إضافة إلى ذلك في إعانة الفقراء والمساكين وإغاثة المتضررين من النكبات.

جهود أهلية أخرى للإمام

وقد شملت جهود الإمام بعد المنفى أيضا مشاركته عام 1892 في تأسيس جمعية العروة الوثقى الخيرية بالإسكندرية، وذلك بغرض "القيام بالأعمال الخيرية ونشر العلوم والمعارف والآداب والصنائع وتعليم الفقراء مجانا والإعانة على تربيتهم"، وقد اهتمت الجمعية بشكل خاص بالتعليم الفني إضافة إلى التعليم الإسلامي العام، فقد أنشأت 17 مدرسة حتى عام 1907، إضافة إلى مدرسة محمد علي الصناعية، وزاد عدد طلاب مدارس الجمعية عموما من 150 عام 1894 إلى 3600 عام 1913.

كما شارك الإمام في تأسيس لجنة الهلال الأحمر عام 1898 في أعقاب الحملة العسكرية على السودان، وخلالها سقط العديد من أبناء الجيش المصري بين قتيل وجريح ومشوه، وبدأت كل أسرة تحصي نصيبها من ضحايا تلك الحملة، وأصبح السؤال من يتكفل بهؤلاء ويرعاهم بعد أن اعتذرت الحكومة عن مد يد العون إليهم، ولم يبق لهؤلاء غير تضامن أبناء الأمة، وهو ما دعا إليه آنذاك الشيخ محمد عبده، وسعى لتحقيق ذلك من خلال تأليف لجنة خاصة قوامها رجال القضاء وأهل الثقة من كبار الأغنياء.

وفي العام نفسه (1898) شارك الإمام في تأسيس جمعية إحياء الكتب العربية، حيث كان يرى حياة الأمة بدون حياة لغتها من المحال، وأن حياة العلوم العربية بمثل الكتب الأزهرية محال أيضا، وأنه لابد للإصلاح من إحياء كتب أئمتنا وعلمائنا التي ألفت أيام كان العلم حيا في الأمة، فكان يسعى لذلك سعيه، فقامت الجمعية بإعادة نشر وتحقيق عدد من أمهات كتب التراث العربي والإسلامي، ومنها كتب "أسرار البلاغة" و"دلائل الإعجاز" و"المخصص" و"فتوح البلدان" وغيرها.

آمال تخترق حاجز الموت

لم تتوقف جهود الإمام ولا آماله في مسألة التعليم عند حدود المدارس، بل امتدت إلى تأسيس جامعة أهلية تحقق النهضة التعليمية التي كان ينشدها، لكن عمر الإمام لم يتسع لإتمام المشروعات التي كان يفكر فيها ويهيئ الأذهان لإعداد أسبابها، وضمان إقامتها ودوامها، وقد مرض الأستاذ الإمام مرض الوفاة، فلم يشغله المرض عن إعداد العدة لهذا المشروع الكبير، وزار صديقه أحمد المنشاوي باشا واستزاره غير مرة، للبحث في وسائل بناء الجامعة، وضمان الموارد اللازمة التي ينفق منها عليها، وعلى الرغم من أن الموت كان أسرع من تحقيق ذلك الأمل، فإن المشروع كتب له الحياة والوجود على أيدي تلامذته، فلم تمت الآمال في ذلك بموته.


كاتب وخبير متخصص بالقضايا التنموية بالعالم العربي.

لمتابعة النص الأصلي على إسلام أون لاين.

السبت، 19 سبتمبر 2009

التدين المغشوش- عمرو الشوبكي

من الصعب أن نجد شعباً آخر فى العالم استوفى كل مظاهر التدين الشكلى مثلما فعل الشعب المصرى فى العقود الثلاثة الأخيرة، ومن الصعب أن نجد كلاماً فى الدين داخل أى مجتمع فى العالم مثل ما يجرى فى مصر، ومع ذلك فإن هذا «الصخب الدينى» لم يثمر عن حالة تقدم واحدة فى أى مجال حتى الجوانب الأخلاقية، التى لم يجد الدعاة الجدد أموراً غيرها للتحدث فيها ظلت مجرد كلام على الهواء، أما الواقع فقد شهد أسوأانحدار أخلاقى عرفته مصر منذ عقود فى مفارقة صارخة.

والمؤكد أن شهر رمضان الكريم الذى عاشه جيلى باعتباره شهر التعبد والتراحم وقدر من الترفيه، تحول إلى حالة صاخبة تنافس فيها الجميع على بث كل ما هو غث وردىء، فلأول مرة فى تاريخ مصر «أو فى أى دولة فى العالم» يبث فيها فى شهر واحد ما يقرب من ٦٠ مسلسلاً يستحيل على أى مشاهد إذا بقى أمام التليفزيون ٢٤ ساعة دون نوم أو عمل أن يشاهد ربعها.

المدهش أن شكوى بعض الكتاب الإسلاميين فى الماضى من أن وجود المسلسلات كان من أجل منع الناس من الذهاب للمسجد للصلاة، لم يعد له أساس حالياً، لأن جمهور الاثنين أصبح فى معظمه واحداً، ومستمعى خطاب الدعاة الجدد و«مسلسل» موسى وفرعون وكل القصص التمثيلية الساذجة هم أنفسهم تقريباً جمهور المسلسلات ومتابعى البرامج الحوارية الهابطة، التى حرصت بعبقرية تحسد عليها على اختيار كل البلهاء أو الخارجين عن القانون حتى يعملوا «شو إعلامى» ويجذبوا اهتمام الناس.

لقد أنفق المصريون البسطاء مئات الملايين من الجنيهات على «بيزنس الدعاة الجدد»، الذين بثوا ثقافة جديدة فى عقولهم بتواطؤ حكومى واضح من أجل إلهائهم عن الاهتمام بالقضايا العامة، خاصة السياسية، فيحدثون الناس كل يوم حول مبادئ الدين وقيم الإسلام، فى حين أن الذى يجرى فى الواقع هو عكس ما يقولونه، حيث قل الإنتاج وزاد الفساد والكذب وجرائم القتل، وانتشر التحرش الجنسى، وملأت القمامة شوارع مصر «رغم أن النظافة من الإيمان» وانهار الأداء العام.

لا أتصور أن هناك مجتمعاً طبيعياً أو صحياً فى العالم يعيش على الفتاوى الدينية، ويتنفس ثقافة الحلال والحرام مثل مصر، ومع ذلك يمارس فى واقعه اليومى عكس ما يسمعه أو ما يتمسك به من مظاهر وصور دينية، فالواقع يقول إن الحديث اليومى فى الدين لم يجعلنا حقيقة متدينين، فمعظم الموظفين يتوقفون عن العمل ساعة صلاة الظهر، وفى الوقت نفسه زادت الرشوة وأصبحت لغة التعامل الرسمى بين المواطن وموظف الحكومة، وقل الإنتاج وغابت الجودة وقيم الإبداع.

لم تكن كل هذه المظاهر موجودة فى السابق، وكان المجتمع يعرف علماء حقيقيين وليس دعاة جدداً وهميين، فهل يتذكر بعضنا أسماء مثل محمود شلتوت والباقورى وعبدالحليم محمود ومحمد الغزالى، وهل نعرف كم هى منخفضة وأحياناً معدومة المساحة المعطاة فى الإعلام الحكومى والخاص لكل من يوسف القرضاوى، ومحمد سليم العوا ومن هم على شاكلتهم، خاصة إذا قارناها بالسماوات المفتوحة أمام «بيزنس الدعاة الجدد»، هل نعرف معنى أن تكون عالما، والقيم التى يمكن أن تبثها فى المجتمع، ومع ذلك أو نتيجة ذلك غابوا أو غيبوا عن الساحة الإعلامية حتى نسهل دخول المجتمع فى غيبوبة التسطيح والتبلد.

إن «الرجل المتدين» فى مصر كان عادة هو ذلك الرجل المثقف المنفتح على الحياة، المحب للعلم والتعلم، ولم يكن الدين بديلاً لأى قيمة إيجابية أخلاقية أو سياسية، إنما على العكس كان محفزاً للعمل والسلوك الطيب والاهتمام بالشأن العام، إلى أن تغيرت الحال وأصبح التدين بديلاً عن كل القيم الإيجابية.

فلم يفرق مع هؤلاء الصائمين المصلين أن تمتلئ محافظة الجيزة بالقمامة لمدة ما يقرب من شهر، لم يستفزهم المظهر ولا الرائحة ولا الأوبئة رغم أنهم يدعون أنهم متدينون، فأى نوع هذا من التدين؟ وأى غش وانفصام فى الشخصية أصاب مجتمعنا؟!

إن «انتفاضة» بعض قادة وزارة الداخلية وحماسهم اللافت فى مطاردة القلة الفاطرة فى رمضان ومحاولة إثبات أنه أمر قانونى، يعبر عن خلل حقيقى أصاب مجتمعنا ومسؤوليه على السواء، والسؤال لماذا فقط هذا المشهد هو الذى استفز قادة أجهزة الأمن، لماذا لا يستفزهم قتلى حوادث الطرق والرشوة التى يحصل عليها رجال المرور فى الشهر الكريم وتعذيب المواطنين فى أقسام الشرطة وتقاعس الأمن المتعمد عن تنفيذ أحكام القضاة وفض المشاجرات والجرائم التى تحدث أمام أعين البعض، لماذا لا ينتفضون فى مواجهة هذه الجرائم؟ ونجدهم يتحركون بهذا الحماس فى مواجهة فقط هؤلاء المفطرين المستفزين؟

هذه هى تجليات ثقافة التدين الجديد، فكما فى السياسة أنتج الحكم «الفكر الجديد»، ففى الدين أنتج أيضاً التدين الشكلى والمغشوش لمجتمع يسير بخطى ثابتة نحو الغيبوبة الكاملة.

لقد تصور كثير منا أن انتصار الإسلام يقف عند حدود نجاح الدعاة الجدد فى دفع الفتيات فى سن المراهقة إلى ارتداء الحجاب، ونسوا أو تناسوا أن النجاح الحقيقى هو فى تغيير قيم هؤلاء الفتيات، والنجاح فى مواجهة آفة أو مشكلة اجتماعية واحدة فى حى أو مدينة، فلم نجد حملة للنظافة ناجحة وحقيقية باسم الدين ولا أخرى ضد الرشوة والفساد، ولا ثالثة ضد التحرش الجنسى، ولا رابعة ضد الطائفية، ولا خامسة ضد التمييز والقهر، وهى كلها قيم لا تدعو للنضال أو الإصلاح السياسى، ومع ذلك لم يفعلوها، وإذا تحدث عنها بعضهم، فهذا جزء من «أكل العيش» أى الكلام الذى يردد فى الإعلام لإبراء الذمة ويعلمون كما نعلم جميعاً أنه لن يكون له أى مردود على أرض الواقع.

ألا يدفعنا هذا المشهد إلى التفكير بأن هناك على الأقل خللاً وتناقضاً بين كل هذه الظواهر؟ ومتى نستطيع أن نخرج من أسر تحالف المسلسلات والدعاة الجدد، لأن جمهور الاثنين أصبح واحداً، ولم يعد جمهور الداعية «نيو لوك» يختلف عن جمهور جلسة «الفرفشة» أمام التليفزيون أو فى خيمة رمضانية فكلاهما واحد ضحية نفس الثقافة ونفس الإعلام.

إننا نعيش بلا أدنى شك عصر التدين المغشوش الذى تاجر به البعض، وغيب عقل البعض الآخر، وأراح البعض الثالث «بالنضال السياسى» غير المكلف عن طريق الدعاء والصلاة، وشاهدنا تديناً لا هو أنتج ثورة كما فى إيران، ولا حزباً أصبح جزءاً من الحداثة والديمقراطية كما فى تركيا مع حكم حزب العدالة والتنمية، ولا مشروعاً حضارياً وسياسياً حول بلد مثل ماليزيا فى عشرين عاماً من التخلف إلى واحد من أهم اقتصاديات العالم، فهنيئاً لنا تديننا المغشوش وغيبوبتنا التى نتمنى لو طالت ألا تتحول إلى موات نهائى.

السبت، 11 يوليو 2009

لاهوت التحرير ..مسيحية المعدمين


حسام تمام



لاهوت التحرير (Liberation Theology) هو القراءة الثورية للمسيحية التي من خلالها أعاد بعض آباء الكنيسة الكاثوليكية في أمريكا اللاتينية قراءة المسيحية لمصلحة الفقراء والمعدمين والمظلومين والمهمشين، في ضوء اتجاه الكنيسة لإعادة تكييف علاقتها مع المجتمع. وهي بذلك تمثل انقلابا لاهوتيًا أدى لتوسيع مجال الإيمان، بحيث يشمل المسئولية تجاه الواقع وتغييره، متجاوزا تغيير وإصلاح الضمير والنفس وحسب، وذلك من خلال قراءة تؤكد على أن "الخلاص لا يكون بالتحرر من الخطايا فقط، بل بكل أشكال التحرر الأخرى بما فيها التحرر السياسي والاقتصادي..."، وهي قراءة تزاوج بين الخلاص وتحرر الإنسان، وبين الإيمان والعمل السياسي، وبين ملكوت الله وبناء العالم.

وإذا كانت هناك إضافة حقيقة قدمتها قارة أمريكا اللاتينية للفكر الإنساني في القرن العشرين، فهي "لاهوت التحرير" الذي يعد بحق إبداعا لاتينيًا خالصًا جدد رؤية المسيحية في القرن العشرين.

وقد ظهرت حركة (لاهوت التحرير) في الستينيات والسبعينيات من ذلك القرن حينما كانت الأنظمة الشمولية والعسكرية تسيطر على معظم دول أمريكا اللاتينية (بيرو- شيلى- أوروجواي- الأرجنتين- البرازيل)، كما لم تكن دول أمريكا الوسطى أيضًا تختلف عنها كثيرًا، حيث كانت حروب العصابات ومواجهات الحرب الباردة تعم كولومبيا وفنزويلا ونيكارجوا؛ فكانت هناك حالة من القهر والاستبداد تسيطر بها السلطات العسكرية الشمولية على كل شيء، فتصادر وتؤمم كل قوى ومؤسسات شعوبها التي كانت ترزح تحت نير الجهل والفقر، وكان ثمة تحالف غير معلن يكرس هذه الأوضاع بين القوى الرئيسية المسيطرة على هذه البلاد، وهى: الطبقات الحاكمة التي كانت مرتبطة في شكل استعماري سافر بمصالح القوى الاستعمارية الإمبريالية المركزية في العالم وعلى رأسها الولايات المتحدة، وكبار الملاك والإقطاعيين الذين ارتبطت مصالحهم بالرأسمالية الأمريكية، بالإضافة إلى عدد من كبار رجال الكنيسة الذين كانوا بمثابة ضمان لاستمرار وتكريس هذه الأوضاع الظالمة، حتى صار الفقر والظلم الاجتماعي كأنه قدر ينبغي للمؤمنين أن يحافظوا عليه! وكانت الكنيسة وقتها تطرح رؤية محافظة تقليدية تدعو الفقراء والمظلومين والمعدمين إلى الصبر على ما هم فيه، وتبشرهم بالفوز بـ (ملكوت السماوات) تعويضا عن حالة الفقر والظلم التي يرزحون تحتها والتي جعلتها الكنيسة حتمية اجتماعية لا تشجع التمرد عليها.

وقد أثارت هذه الأوضاع الجائرة التي يزداد فيها الفقراء فقرا والأغنياء غنى عددًا من رجال الكنيسة الكاثوليكية في أنحاء أمريكا اللاتينية؛ فتفاعلوا معها وتبلورت لديهم رؤية ثورية راديكالية أكثر اقترابًا من هموم وقضايا الفقراء والمهمشين، وبدأت تظهر مجموعات راديكالية ثورية من القساوسة قامت بنقد المجتمع والسلطة والكنيسة أيضا، خاصة في علاقتها بالمجتمع، فطالبوا بخروج الكنيسة من عزلتها وبانفتاحها على المجتمع، خاصة بعد أن أصبحت القوة الوحيدة الباقية خارج سيطرة الأنظمة الشمولية التي صادرت كل القوى والأحزاب والمؤسسات السياسية والاجتماعية والعالمية، مؤكدين على أن الكنيسة الحقة ليس لها وجود إلا على المستوى الشعبي، وأعادوا قراءة التوراة والإنجيل والتراث الكنسي كله قراءة منحازة للفقراء ضد الأغنياء، مؤكدين على أن المسيح نبي الفقراء ومخلصهم، وأنه كان فقيرا، ولا بد أن يكون في صف الفقراء وليس الأغنياء.

كما أولوا عناية فائقة بقضايا الفقر في قراءتهم للنصوص الدينية والتراث المسيحي؛ فاستطاعوا إحياء صورة الفقير في الثقافة الكلاسيكية منذ العصور الوسطى، وصنعوا حالة من التعاطف معها، كما ركزوا في قراءتهم على اكتشاف النصوص المسيحية التي تتحدث عن حقوق الفقراء والمضطهدين والمحرومين وبلورة خطاب مسيحي أكثر اقترابا منهم وتعاطفا معهم…

آباء الفكر ورموز الحركة


وساهم في ذلك التغيرات التي كانت قد طرأت آنذاك على الكنيسة الكاثوليكية وعلى الخطاب البابوي بإزاء الفقراء؛ إذ كان البابا بولس السادس قد أصدر وقتها ( سنة 1967 تحديدا ) خطابه الشهير "تنمية الشعوب"، الذي أبدى فيه تعاطفًا مع الفقراء، وحين هاجم الرأسمالية "المتوحشة".

كما كان دور الكنيسة، خاصة في أمريكا اللاتينية، قد اتسع وصار أكثر تأثيرًا بفعل مقررات مجمع الفاتيكان الثاني (سنة 1965) التي دعت إلى تحويل لغة العبادة من اللاتينية إلى اللغات المحلية للشعوب المسيحية، وهو ما جعل القساوسة يتحدثون بلغة الناس اليومية، ومن ثم صاروا أكثر ارتباطاً بالجماهير وتأثيراً في أفكارهم وحياتهم، وأكسب الخطاب المسيحي قدرة أكبر على التأثير في أتباعه من كل الشعوب، خاصة في أمريكا اللاتينية التي كانت تعرف بالقارة المسيحية بسبب تدينها وتمسكها الشديد بالمسيحية.

وانتشر دعاة "لاهوت التحرير" من آباء الكنيسة الكاثوليكية في معظم مناطق أمريكا اللاتينية فكان "ليوناردو بوف" في البرازيل، و"بابلو ريتشاردز" في شيلي، و"أوتومادور" في فنزويلا، و"خوان لويزسيجوندو" في أورجواي، و"خافيير جورستياجا" في نيكاراجوا…، لكن كانت هناك أعلام بارزة لحركة لاهوت التحرير ينسب إليها صياغة مبادئ الحركة وأفكارها الرئيسية، ويعتبرها الكثيرون بمثابة الآباء المؤسسين للاهوت التحرير، وعلى رأس هؤلاء يأتي القس الكولومبي "كاميللو توريس"، ورغم أنه كان ينتمي في بدايته لأسرة عريقة وثرية في بوجوتا العاصمة، وتعلم في أوروبا ونال من بلجيكا الدكتوراه في علم الاجتماع، فإنه انقلب فكريًا تمامًا بعد الدراسات الميدانية التي أجراها لحياة الفقراء خاصة في الريف الكولومبي فأصبح ثوريًا راديكاليا، وشكل سنة 1965 "الجبهة الواسعة" وهو تحالف سياسي يسعى للاستجابة لمتطلبات غالبية أهالي بلاده؛ فكانت النتيجة طرده من الحياة السياسية والدينية أيضًا، وهو ما دفعه للانضمام لجيش التحرير الوطني المسلح.

والإضافة الكبرى التي قدمها كاميللو توريس هي "تثوير المسيحية" أو قراءتها قراءة ثورية؛ فقد قام ببحث عميق لمعنى الحب المسيحي، وأعاد صياغة مفهومه ليحوله من كونه شعورًا فرديًا عاطفيًا ليصبح عملية اجتماعية تتضمن معاني الزهد والتضحية والتعاطف مع الضعفاء والفقراء والمحتاجين.

ورغم أن "توريس" لم يعمر كثيرًا وقتل في 1966، فإنه ظل رمزًا لما أصبح يعرف بالكنيسة التقدمية نظرًا لوعيه السياسي الذي قاده لآرائه الثورية، انطلاقًا من فهمه الديني الذي حول مفهوم الحب المسيحي إلى ثورة على المستوى الاجتماعي والاقتصادي والسياسي أيضًا، فعلى ضوء المفاهيم التي صاغها كاميللو توريس تكونت جماعات كاثوليكية في كل مناطق الريف اللاتينية لعبت كلها دورًا بارزًا في المجالات الخدمية والإنسانية للفقراء.

وبجانب توريس يقف الأب "جوستافو جوتييرز" في بيرو كأحد أهم مؤسسي حركة لاهوت التحرير في أمريكا اللاتينية، فقد استطاع بكتاباته خاصة كتاب (رب الحياة) صياغة المفاهيم والأفكار الرئيسية للاهوت التحرير، والمحور الأساسي فيها هو اعتبار "المسيح هو مسيح الفقراء ومسيح المضطهدين، ومسيح الحرية…".

أما أهم رموز حركة لاهوت التحرير على الإطلاق فهو "أوسكار روميرو" كبير الأساقفة الراحل في السلفادور، فقد كان أكثر آباء الكنيسة انحيازًا للفقراء، وكان أول من أعلن ذلك صراحة، وأعلن معارضته لحكومة بلادة الديكتاتورية التي وصفها بالدموية والعداء للفقراء، وكان من أبرز معارضي الهيمنة الأمريكية بالمنطقة، وقد وضع عدة مؤلفات تعد الأساس الفعلي لحركة لاهوت التحرير، أهمها كتاب (عنف الحب) و(صوت من لا صوت لهم) الذي صار فيما بعد عنوانًا لسلسلة الكتب التي تعبر عن فكر وتوجيهات هذه الحركة. ولم يطبع هذان الكتابان إلا بعد رحيل روميرو بأكثر من عشر سنوات. وله كتاب (رسالة الأمل من أحد الشهداء)، وهو عبارة عن شرائط كانت تحمل تسجيلاته، إضافة إلى كتابه (أوقفوا الاضطهاد).

وقد استمر روميرو في دعوته إلى أفكاره المناصرة للفقراء والمستضعفين والرافضة لهيمنة الأغنياء حتى قتل في أوائل الثمانينيات، واتهمت حكومة السلفادور وقتها الثوار اليساريين بقتله، لكن ثبت بعدها أن المسئول عن اغتياله (كتائب الموت) التي كانت تابعة للشرطة والجيش السلفادوري، التي كانت مختصة بالتخلص من أعداء النظام، كما ثبت أيضًا تورط المخابرات المركزية الأمريكية في هذه العملية الشائنة!

وقد بلغت مكانة روميرو أن اعتبر جوستافو جوتييرز في كلمة ألقاها في الذكرى الخامسة عشرة لاغتياله "أن موت الأسقف" روميرو "يمثل نقطة فاصلة في تاريخ الكنيسة بأمريكا اللاتينية".

الأثر والصدى

وقد أحدثت حركة لاهوت التحرير، وقتها، انقلابًا هائلاً على كل المستويات في جميع دول أمريكا اللاتينية والوسطى، فلعبت دورًا هامًا أثناء فترات الحكم الديكتاتوري في تقوية الشعوب وحثها على الصمود، ودفعها أيضًا للمقاومة والتصدي لهذه الديكتاتوريات والتضحية بالأرواح ولكن في سياق إيماني، فتأثرت كل حركات التحريرية والثورية في هذه المنطقة بلاهوت التحرير، كما انخرط كثير من الأساقفة الكاثوليك في صفوف الثوار وخاضوا حروب العصابات، وحدث في كثير من الأحيان تداخل بين المنظمات الكنسية وبين المنظمات الثورية التي لم تملك إلا التأثر بلاهوت التحرير خاصة في جوانبه المتعلقة بنصرة الفقراء والمظلومين والانحياز لهم.

كما أحدث لاهوت التحرير انتعاشًا في مجال العمل الخدماتي والإنساني بسبب اهتمامها بالبعد الاجتماعي والخدمي في قراءتها لدور المسيحي، وتجديدها لاقترابات تفسير النصوص الدينية والتراث المسيحي؛ إذ نجحت جماعة اللاهوت في نشر اعتقاد داخل الدوائر الكنسية بقدرة الناس على التغيير إذا ما فكروا وعملوا معا، وقدرتهم على تغيير ظروفهم البائسة بل والدنيا بأسرها.

ويشير مسح أجرى عام 1989 في مدينتي ريودي جانيرو، وساوباولو بالبرازيل إلى أن (90 %) من الجمعيات التي تأسست لخدمة الفقراء وتنميتهم وتحسين أوضاعهم تأسست سنة 1970، وهي السنة التي بدأ فيها التأثير الحقيقي لحركة لاهوت التحرير، هذا بالإضافة إلى تنامي الدور الاجتماعي داخل الإبراشيات الكاثوليكية نفسها.

وفى إطار اهتمامها بالفئات المهمشة والمعدمة فتحت حركة لاهوت التحرير الباب لأول مرة أمام العناصر النسائية للتأمل المسيحي والتفكر في أصول الدين المسيحي، بعد أن كان ذلك قاصرًا على الرجال.

وعملت الحركة أيضًا على إتاحة كل شيء للفقراء بما فيها الثقافة والعلم والمعرفة؛ فكان لها دور تثقيفي وتنويري رائد بجانب الدور الاجتماعي والإنساني، فقدمت أهم كتب الثقافة والمعرفة في طبعات زهيدة تناسب الفقراء والمعدمين، فكان هناك -على سبيل المثال- سلسلة كتب بعنوان "صوت من لا صوت لهم" المأخوذة عن كتاب أوسكار روميرو الشهير السالف الذكر، وكان يحررها خوليان جوميث ديل كاستيو.

وكانت تُعنى بنشر مؤلفات الكٌتاب المهمشين والمجهولين في تاريخ الكنيسة الكاثوليكية الذين تمثل مؤلفاتهم قيمة حقيقية في طريق العدل الاجتماعي من منظور لاهوتي وتتفق مع أفكار لاهوت التحرير، وكانت هناك دار نشر تابعة للحركة الثقافية المسيحية مقرها في إسبانيا تتولى نشر هذه السلسلة، وكانت تتوجه لتأييد الحركات العمالية والشعبية في مواجهة الأغنياء والرأسماليين ومثلت أهم روافد حركة لاهوت التحرير الفكرية.

وقد كان تأثير حركة لاهوت التحرير متجاوزا لأمريكا اللاتينية والوسطى إلى داخل الولايات المتحدة نفسها التي كانت أكثر طرف تصدى لهذه الحركة وحاربها؛ لأنها تقوم بتمكين المستضعفين خاصة في ظل وجود أقلية معتبرة من أصول "هيسبانية"-مكسيكية وأمريكو/لاتينية-، بل وظهرت فيها حركة (لاهوت التحرير الأسود) متأثرة بنفس المنطق (إعادة قراءة المسيحية لمصلحة فئة معينة هي الأقلية السوداء)، حيث أعاد بعض الأمريكان السود من أتباع المذهب البروتستانتي قراءة المسيحية لمصلحة السود كرد فعل لعنصرية البيض وتمييزهم ضد السود، لكنهم انتهوا إلى نوع من العنصرية المضادة، وإلى الإعلاء من السود باعتبارهم العرق الأنبل، واعتبرت أن المسيح هو نبي السود ومخلصهم حتى صارت هناك رؤية لمسيحية سوداء بإزاء المسيحية البيضاء!

ويلاحظ أن الدين بشكل عام كان سلاحًا للسود لدعم تميزهم مثل أمة الإسلام على الجانب الآخر، التي وظفت الدين كعنصر تضامن وقوة مكنها من القيام بمسيرة مليونية للبيت الأبيض وتجميع السود حول قيادات بارزة.

على أن الفارق بين لاهوت التحرير في أصوله اللاتينية وبين لاهوت التحرير الأسود كان أن الأول بدا أكثر تركيزًا على الجانب الاجتماعي بعكس الثاني الذي غلب فيه البعد العرقي.

بين العدل والماركسية

وقد تحدث الكثيرون عن تأثر حركة لاهوت التحرير بالفكر اليساري والماركسي بصفة خاصة، واعتبروا أنها تمثل تمازجًا بين المسيحية والماركسية؛ نظرًا للتشابه الكبير في الأفكار الخاصة بالفقراء والمهمشين والعمال المعدمين، إلا أن التحليل الدقيق يؤكد عدم صحة ذلك؛ إذ إن التشابه في كثير من الأفكار يرجع -بصفة أساسية- إلى الواقع المشترك الذي ولّد اهتمامات مشتركة وأفرز أفكارًا متشابهة كان القاسم المشترك بينها الرغبة في التغيير ورفض الواقع الذي أدى إلى الظلم والفقر، في حين كانت المنطلقات متباينة تمامًا، ففي حين تأثر يساريو أمريكا اللاتينية بموجة المد الشيوعي التي كانت قد اجتاحت المنطقة في الستينيات والسبعينيات كانت منطلقات ومصادر فكر آباء حركة لاهوت التحرير منطلقات مسيحية كنسية خالصة.

فأوسكار روميرو الذي يردد مقولته الشهيرة "الخطيئة الحقيقية هي الظلم وعدم العدالة في توزيع الثروات"، وكأنه يبدو كمفكر يساري أصيل، كان من ألد أعداء الشيوعية، وكثيرًا ما هاجمها بعنف مؤكداً إيمانه المسيحي، وأن "الكنيسة" هي ظل الله في الأرض، وهو صاحب الشعار المعروف (الدين للفقراء) الذي يعتبر الدين المخلص للفقراء.

وكتاب (الإنثروبولوجيا الاجتماعية) الذي كان بمثابة وثيقة عمل ورؤية نظرية لحركة لاهوت التحرير -رغم تأثره الواضح والكبير ببعض الأفكار الماركسية- نجد أن مؤلفه دون كوماس مالاخون كان يعكس فيه أفكاره كمسيحي ملتزم وليس كيساري، وكان دائم التأكيد على دور الكنيسة المسيحية رغم آرائه التحررية والثورية في كافة جوانب الحياة.

والحقيقة أن الخلط السائد عند بعض المحللين بين أفكار حركة لاهوت التحرير وبين الأفكار اليسارية لا يرجع فقط إلى تشابه الواقع الذي أفرزهما، وإنما أيضًا إلى ما حدث من تعايش خلاق بينهما، ففي حين كان رجال لاهوت التحرير يتمتعون بانفتاح واسع ومتحرر على الفكر الإنساني على اختلافه بما فيه الفكر اليساري، كانت الحركات اليسارية في أمريكا اللاتينية تدرك طبيعة شعوبها وخلفيتها الدينية وتعي أنها شعوب مسيحية مؤمنة ومتمسكة بإيمانها المسيحي فلم تسع إلى الصدام مع الخلفيات الدينية لها بما سمح بالتعايش والتلاقح الفكري بين الجانبين، وهو ما أوجد نوعًا من التشابه بين أفكار كل منهما، وإن احتفظ كل فريق بمنطلقات ومرجعيات مغايرة للآخر.

ومع نهاية عقد السبعينيات ومنتصف الثمانينيات كان الواقع الذي ظهرت فيه حركة لاهوت التحرير قد تغير كثيرًا في أمريكا اللاتينية عما كان عليه بعد أن سقطت الأنظمة الشمولية والعسكرية، ودخلت بلادها عصور التحول الديمقراطي، وهو ما دفع بأحد كبار مؤسسيها "جوستافو جوتييرز" سنة 1996 للقول بأن "العالم الذي أوجد لاهوت التحرير يبدو أنه يقترب من نهايته، وتبدو حتمية لسلسلة من التغيرات السياسية والاقتصادية والكنسية على نطاق العالم وعلى نطاق أمريكا أيضًا".

ورغم ذلك فتظل حركة لاهوت التحرير إحدى علامات الفكر الإنساني الهامة في العصر الحديث، والتي تفيد في تطوير رؤانا بشأن علاقة الدين بالعدل والإيمان بالحرية والكرامة الإنسانية للفئات المهمشة والمستضعفة في عصر عولمة الرأسمالية وتدويل سلطة السوق.

يمكن الرجوع للنسخة الأصلية علي موقع إسلام أون لاين.

الثلاثاء، 7 يوليو 2009

هل يكره الغربيون الإسلام..؟! علاء الأسواني

السيد دينى باتين، قسيس أمريكى من طراز خاص.. فهو قد أنشأ عام 1996 فى ولاية أريزونا، جمعية اسمها «الدبلة الفضية».. الهدف الأساسى لهذه الجمعية دعوة الشباب الأمريكيين من الجنسين إلى الامتناع عن ممارسة الجنس قبل الزواج وإقناعهم بأن الجنس خارج الزواج هو الزنا الذى حرمه السيد المسيح. فى كل أسبوع يعقد القس باتين احتفالات تحضرها عشرات الفتيات الأمريكيات، يقرأن معه الكتاب المقدس ثم يتعهدن أمام الرب بالاحتفاظ بغشاء البكارة سليما حتى يفضه الزوج الشرعى..

فى نهاية الاحتفال ترتدى كل فتاة فى يدها اليسرى دبلة فضية منقوش عليها كلمة النقاء، وتظل الدبلة الفضية فى يد الفتاة دليلا على عذريتها حتى يخلعها زوجها من يدها فى ليلة الزفاف. المدهش أن دعوة السيد باتين تلقى رواجا متزايدا فى أمريكا حتى اقترب عدد أتباعه من 2 مليون أمريكى. بل إن بعض الفتيات اللاتى فقدن عذريتهن قبل انضمامهن إلى جمعية الدبلة الفضية يجرين عمليات ترقيع لغشاء البكارة حتى يبدأن من جديد سلوك الفضيلة كما يسميه القس باتين. كما تتلقى الجمعية دعما ماليا سنويا من الحكومة الأمريكية.


وقد شاهدت فى التليفزيون الفرنسى برنامجا طويلا عن القس باتين وجمعيته. ظهر فيه أتباعه يدافعون عن عذرية الفتاة كمقياس للفضيلة. وظهرت طبيبة نفسية فرنسية ناقشت أفكارهم واختلفت معهم باحترام.. ووجدتنى أتساءل: إن أفكار القس باتين عن عذرية الفتاة كمعيار للفضيلة تتطابق تماما مع الثقافة العربية الإسلامية. لكنهم فى تليفزيون فرنسا يتعاملون معه بأدب لأنه أمريكى مسيحى أبيض ولو أن نفس الكلام صدر عن عربى أو مسلم لانهالت عليه الاتهامات بالتخلف والهمجية واحتقار المرأة.. هذه الازدواجية الغربية منتشرة والأمثلة عليها بلا حصر. أجريت الانتخابات مؤخرا فى إيران وفاز بها أحمدى نجاد ثم ثارت شكوك واتهامات بالتزوير وهنا قامت الدول الغربية جميعا ولم تقعد وأصدرت بيانات شديدة اللهجة من أجل نصرة الديمقراطية فى إيران ويدفعنا ذلك إلى السؤال: إن الانتخابات المصرية تزور بانتظام منذ سنوات طويلة والرئيس مبارك يتولى الحكم عن طريق استفتاءات مزورة، فلماذا لم يثر ذلك غضب الساسة الغربيين؟..

الإجابة أن الغرض من هذه الضجة ليس نصرة الديمقراطية ولا يحزنون وإنما إحراج النظام الإيرانى الذى يعادى إسرائيل ويسعى لتطوير قدراته النووية مما يشكل تهديدا للاستعمار الغربى، أما النظام المصرى، فعلى الرغم من كونه استبداديا وفاسدا، إلا أنه مطيع ومستأنس وسياساته تصب دائما فى خدمة إسرائيل وأمريكا ولذلك يغطى الإعلام الغربى على أخطائه مهما بلغت بشاعتها.. أثناء المظاهرات الإيرانية الأخيرة انطلقت رصاصات مجهولة المصدر فقتلت فتاة إيرانية من المتظاهرين، اسمها ندا سلطان.. وسرعان ما تحول مقتلها إلى الخبر الأول فى صحافة العالم وقد تأثر السياسيون الغربيون لمقتل ندى أشد التأثر حتى أن الرئيس أوباما قال وهو يغالب دموعه: «إنه لأمر يمزق القلب حقا».. وبعد أسابيع قليلة، فى مدينة دريسدن الألمانية، كانت السيدة المصرية مروة الشربينى.. تحضر محاكمة شخص ألمانى وجه لها سبابا عنصريا لأنها محجبة.. وقد حكمت المحكمة الألمانية بتغريمه مبلغ 2800 يورو عقابا له على إهانة مروة. وعند النطق بالحكم، أصيب المتطرف الألمانى بهياج شديد وانهال على مروة وزوجها طعنا بالسكين فماتت مروة فورا متأثرة بجراحها بينما نقل زوجها إلى المستشفى فى حالة حرجة..

المفترض أن قيمة الحياة الإنسانية تتساوى عند الناس جميعا فالحزن الذى أصاب أهل مروة لمقتلها لا يقل عن حزن أهل ندى الإيرانية.. يفترض أن مقتل مروة ومقتل ندى جريمتان متساويتان فى البشاعة والتأثير.. لكن مقتل المصرية المحجبة لم يتمزق له قلب الرئيس أوباما ولم يظهر أصلا فى صدارة الإعلام الغربى بينما تركزت الأضواء كلها على مقتل ندى. والسبب أن مقتل ندى يشكل إدانة للنظام الإيرانى المعادى للغرب أما مقتل مروة فيدل على أن الإرهاب ليس قاصرا على العرب والمسلمين.. فها هو إرهابى ألمانى مسيحى أبيض يقتل إنسانة بريئة لا يعرفها ويشرع فى قتل زوجها لمجرد أنها مسلمة ومحجبة. وهذا المعنى لا يحب الإعلام الغربى أن ينقله أبدا.. الخلاصة أن الغرب غالبا ما يتبنى، سياسيا وإعلاميا، رؤى وسياسات معادية للعرب والمسلمين.. هذه حقيقة لا يمكن إنكارها.. ولكن هل يعتبر العرب والمسلمون مجرد ضحايا أبرياء للتحيز الغربى؟ الإجابة لا قاطعة.. فلا يمكن أن نستعمل الغرب كمصطلح حصرى.. الغرب لا يعنى شيئا واحدا. إذا كان الغرب منحازا ضدنا سياسيا وإعلاميا فإن ملايين الغربيين العاديين لا يحبون الإسلام ولا يكرهونه لأنهم ببساطة لا يعرفون عنه شيئا.. والآن.. ما هى الصورة التى يقدمها المسلمون أنفسهم للإسلام؟..

لو أن مواطنا غربيا قرر أن يعرف حقيقة الإسلام عبر ما يفعله المسلمون وما يقولونه.. ماذا سيجد..؟!.. سوف يطالعه أسامة بن لادن وكأنه خارج من كهوف العصور الوسطى ليعلن أن الإسلام يأمره بقتل أكبر عدد من الغربيين الصليبيين، حتى ولو كانوا مواطنين أبرياء لم يفعلوا أى شىء يستوجب العقاب. ثم سيقرأ الغربى كيف قررت حركة طالبان إغلاق مدارس البنات فى المناطق التابعة لها لأن الإسلام يمنع تعليم المرأة باعتبارها كائنا ناقص العقل والدين. بعد ذلك سيقرأ الغربى تصريحات من يسمون أنفسهم فقهاء إسلاميين.. يؤكدون فيها أن المسلم إذا انتقل إلى دين آخر فإن الإسلام يأمر باستتابته أو ذبحه من الوريد إلى الوريد. سيؤكد بعض هؤلاء الفقهاء أن الإسلام لا يعرف الديمقراطية وأن طاعة الحاكم المسلم واجبة حتى ولو ظلم رعيته وسرق أموالهم.. وسوف يرحبون بأن تغطى المرأة وجهها بالنقاب حتى لا يقع من يراها فى الشهوة الجنسية فيتحرش بها أو يغتصبها. وسيؤكد كثير منهم أن الرسول صلى الله عليه وسلم قد تزوج من السيدة عائشة وهى طفلة فى التاسعة من عمرها.. سوف يقرأ الغربى كل ذلك وهو لن يعرف الحقيقة أبدا. لن يعرف أن عمر زوجة الرسول كان 19 عاما وليس 9 سنوات، لن يعرف أن الإسلام قد ساوى تماما بين الرجل والمرأة فى الحقوق والواجبات جميعا. لن يعرف أن من قتل نفسا بريئة فى نظر الإسلام فكأنما قتل الناس جميعا. لن يعرف أبدا أن النقاب لا علاقة له بالإسلام وإنما هو عادة انتقلت إلينا، بأموال النفط، من المجتمع الصحراوى المتخلف.. لن يعرف الغربى أبدا أن رسالة الإسلام الحقيقية هى الحرية والعدل والمساواة. وأنه قد كفل حرية العقيدة فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر وأن الديمقراطية هى الإسلام نفسه لأنه لا يجوز للحاكم المسلم أن يتولى السلطة إلا برضا المسلمين واختيارهم.. بعد كل ذلك هل نلوم هذا الغربى إذا اعتبر أن الإسلام دين التخلف والإرهاب؟..

فى العام الماضى حصلت على جائزة برونو كرايسكى الأدبية فى النمسا. وقام السيد رئيس وزراء النمسا بتسليمى الجائزة.. وكان يفترض أن ألقى كلمة بهذه المناسبة. فاخترت أن أتحدث عن حقيقة الإسلام وحكيت للأجانب الحاضرين أن الرسول صلى الله عليه وسلم كان رقيق المشاعر لدرجة أنه عندما كان يسجد للصلاة كان حفيداه الحسن والحسين كثيرا ما يقفزان للعب على ظهره، فيظل هو ساجدا حتى لا يزعج الطفلين حتى ينتهيان من اللعب ثم يستأنف الصلاة.. وقلت للحاضرين: هل تتخيلون أن رجلا يوقف صلاته حتى لا يزعج الأطفال، يمكن أن يدعو إلى قتل الأبرياء وإرهابهم؟.. وقد استقبل الحاضرون هذه الحكاية باهتمام وجاء كثيرون ليسألونى كيف يستقون معلومات حقيقية عن الإسلام..

صحيح أن السياسة الغربية تعاملنا باعتبارنا سكان مستعمرات، لا يحق لنا أبدا أن نتمتع بحقوق المواطن الغربى وصحيح أن الإعلام الغربى ينحاز غالبا ضد العرب والمسلمين لكن الصحيح أيضا أن القراءة السلفية الوهابية المتخلفة المنتشرة الآن فى العالم الإسلامى تساعد فعلا على ترسيخ صورة ظالمة وسيئة للإسلام.. واجبنا أن نبدأ بأنفسنا.. يجب أن نخلص الإسلام من كل الخزعبلات والأكاذيب والأفكار المتخلفة التى التصقت به وهو منها براء..

الديمقراطية هى الحل