السبت، 11 يوليو 2009

لاهوت التحرير ..مسيحية المعدمين


حسام تمام



لاهوت التحرير (Liberation Theology) هو القراءة الثورية للمسيحية التي من خلالها أعاد بعض آباء الكنيسة الكاثوليكية في أمريكا اللاتينية قراءة المسيحية لمصلحة الفقراء والمعدمين والمظلومين والمهمشين، في ضوء اتجاه الكنيسة لإعادة تكييف علاقتها مع المجتمع. وهي بذلك تمثل انقلابا لاهوتيًا أدى لتوسيع مجال الإيمان، بحيث يشمل المسئولية تجاه الواقع وتغييره، متجاوزا تغيير وإصلاح الضمير والنفس وحسب، وذلك من خلال قراءة تؤكد على أن "الخلاص لا يكون بالتحرر من الخطايا فقط، بل بكل أشكال التحرر الأخرى بما فيها التحرر السياسي والاقتصادي..."، وهي قراءة تزاوج بين الخلاص وتحرر الإنسان، وبين الإيمان والعمل السياسي، وبين ملكوت الله وبناء العالم.

وإذا كانت هناك إضافة حقيقة قدمتها قارة أمريكا اللاتينية للفكر الإنساني في القرن العشرين، فهي "لاهوت التحرير" الذي يعد بحق إبداعا لاتينيًا خالصًا جدد رؤية المسيحية في القرن العشرين.

وقد ظهرت حركة (لاهوت التحرير) في الستينيات والسبعينيات من ذلك القرن حينما كانت الأنظمة الشمولية والعسكرية تسيطر على معظم دول أمريكا اللاتينية (بيرو- شيلى- أوروجواي- الأرجنتين- البرازيل)، كما لم تكن دول أمريكا الوسطى أيضًا تختلف عنها كثيرًا، حيث كانت حروب العصابات ومواجهات الحرب الباردة تعم كولومبيا وفنزويلا ونيكارجوا؛ فكانت هناك حالة من القهر والاستبداد تسيطر بها السلطات العسكرية الشمولية على كل شيء، فتصادر وتؤمم كل قوى ومؤسسات شعوبها التي كانت ترزح تحت نير الجهل والفقر، وكان ثمة تحالف غير معلن يكرس هذه الأوضاع بين القوى الرئيسية المسيطرة على هذه البلاد، وهى: الطبقات الحاكمة التي كانت مرتبطة في شكل استعماري سافر بمصالح القوى الاستعمارية الإمبريالية المركزية في العالم وعلى رأسها الولايات المتحدة، وكبار الملاك والإقطاعيين الذين ارتبطت مصالحهم بالرأسمالية الأمريكية، بالإضافة إلى عدد من كبار رجال الكنيسة الذين كانوا بمثابة ضمان لاستمرار وتكريس هذه الأوضاع الظالمة، حتى صار الفقر والظلم الاجتماعي كأنه قدر ينبغي للمؤمنين أن يحافظوا عليه! وكانت الكنيسة وقتها تطرح رؤية محافظة تقليدية تدعو الفقراء والمظلومين والمعدمين إلى الصبر على ما هم فيه، وتبشرهم بالفوز بـ (ملكوت السماوات) تعويضا عن حالة الفقر والظلم التي يرزحون تحتها والتي جعلتها الكنيسة حتمية اجتماعية لا تشجع التمرد عليها.

وقد أثارت هذه الأوضاع الجائرة التي يزداد فيها الفقراء فقرا والأغنياء غنى عددًا من رجال الكنيسة الكاثوليكية في أنحاء أمريكا اللاتينية؛ فتفاعلوا معها وتبلورت لديهم رؤية ثورية راديكالية أكثر اقترابًا من هموم وقضايا الفقراء والمهمشين، وبدأت تظهر مجموعات راديكالية ثورية من القساوسة قامت بنقد المجتمع والسلطة والكنيسة أيضا، خاصة في علاقتها بالمجتمع، فطالبوا بخروج الكنيسة من عزلتها وبانفتاحها على المجتمع، خاصة بعد أن أصبحت القوة الوحيدة الباقية خارج سيطرة الأنظمة الشمولية التي صادرت كل القوى والأحزاب والمؤسسات السياسية والاجتماعية والعالمية، مؤكدين على أن الكنيسة الحقة ليس لها وجود إلا على المستوى الشعبي، وأعادوا قراءة التوراة والإنجيل والتراث الكنسي كله قراءة منحازة للفقراء ضد الأغنياء، مؤكدين على أن المسيح نبي الفقراء ومخلصهم، وأنه كان فقيرا، ولا بد أن يكون في صف الفقراء وليس الأغنياء.

كما أولوا عناية فائقة بقضايا الفقر في قراءتهم للنصوص الدينية والتراث المسيحي؛ فاستطاعوا إحياء صورة الفقير في الثقافة الكلاسيكية منذ العصور الوسطى، وصنعوا حالة من التعاطف معها، كما ركزوا في قراءتهم على اكتشاف النصوص المسيحية التي تتحدث عن حقوق الفقراء والمضطهدين والمحرومين وبلورة خطاب مسيحي أكثر اقترابا منهم وتعاطفا معهم…

آباء الفكر ورموز الحركة


وساهم في ذلك التغيرات التي كانت قد طرأت آنذاك على الكنيسة الكاثوليكية وعلى الخطاب البابوي بإزاء الفقراء؛ إذ كان البابا بولس السادس قد أصدر وقتها ( سنة 1967 تحديدا ) خطابه الشهير "تنمية الشعوب"، الذي أبدى فيه تعاطفًا مع الفقراء، وحين هاجم الرأسمالية "المتوحشة".

كما كان دور الكنيسة، خاصة في أمريكا اللاتينية، قد اتسع وصار أكثر تأثيرًا بفعل مقررات مجمع الفاتيكان الثاني (سنة 1965) التي دعت إلى تحويل لغة العبادة من اللاتينية إلى اللغات المحلية للشعوب المسيحية، وهو ما جعل القساوسة يتحدثون بلغة الناس اليومية، ومن ثم صاروا أكثر ارتباطاً بالجماهير وتأثيراً في أفكارهم وحياتهم، وأكسب الخطاب المسيحي قدرة أكبر على التأثير في أتباعه من كل الشعوب، خاصة في أمريكا اللاتينية التي كانت تعرف بالقارة المسيحية بسبب تدينها وتمسكها الشديد بالمسيحية.

وانتشر دعاة "لاهوت التحرير" من آباء الكنيسة الكاثوليكية في معظم مناطق أمريكا اللاتينية فكان "ليوناردو بوف" في البرازيل، و"بابلو ريتشاردز" في شيلي، و"أوتومادور" في فنزويلا، و"خوان لويزسيجوندو" في أورجواي، و"خافيير جورستياجا" في نيكاراجوا…، لكن كانت هناك أعلام بارزة لحركة لاهوت التحرير ينسب إليها صياغة مبادئ الحركة وأفكارها الرئيسية، ويعتبرها الكثيرون بمثابة الآباء المؤسسين للاهوت التحرير، وعلى رأس هؤلاء يأتي القس الكولومبي "كاميللو توريس"، ورغم أنه كان ينتمي في بدايته لأسرة عريقة وثرية في بوجوتا العاصمة، وتعلم في أوروبا ونال من بلجيكا الدكتوراه في علم الاجتماع، فإنه انقلب فكريًا تمامًا بعد الدراسات الميدانية التي أجراها لحياة الفقراء خاصة في الريف الكولومبي فأصبح ثوريًا راديكاليا، وشكل سنة 1965 "الجبهة الواسعة" وهو تحالف سياسي يسعى للاستجابة لمتطلبات غالبية أهالي بلاده؛ فكانت النتيجة طرده من الحياة السياسية والدينية أيضًا، وهو ما دفعه للانضمام لجيش التحرير الوطني المسلح.

والإضافة الكبرى التي قدمها كاميللو توريس هي "تثوير المسيحية" أو قراءتها قراءة ثورية؛ فقد قام ببحث عميق لمعنى الحب المسيحي، وأعاد صياغة مفهومه ليحوله من كونه شعورًا فرديًا عاطفيًا ليصبح عملية اجتماعية تتضمن معاني الزهد والتضحية والتعاطف مع الضعفاء والفقراء والمحتاجين.

ورغم أن "توريس" لم يعمر كثيرًا وقتل في 1966، فإنه ظل رمزًا لما أصبح يعرف بالكنيسة التقدمية نظرًا لوعيه السياسي الذي قاده لآرائه الثورية، انطلاقًا من فهمه الديني الذي حول مفهوم الحب المسيحي إلى ثورة على المستوى الاجتماعي والاقتصادي والسياسي أيضًا، فعلى ضوء المفاهيم التي صاغها كاميللو توريس تكونت جماعات كاثوليكية في كل مناطق الريف اللاتينية لعبت كلها دورًا بارزًا في المجالات الخدمية والإنسانية للفقراء.

وبجانب توريس يقف الأب "جوستافو جوتييرز" في بيرو كأحد أهم مؤسسي حركة لاهوت التحرير في أمريكا اللاتينية، فقد استطاع بكتاباته خاصة كتاب (رب الحياة) صياغة المفاهيم والأفكار الرئيسية للاهوت التحرير، والمحور الأساسي فيها هو اعتبار "المسيح هو مسيح الفقراء ومسيح المضطهدين، ومسيح الحرية…".

أما أهم رموز حركة لاهوت التحرير على الإطلاق فهو "أوسكار روميرو" كبير الأساقفة الراحل في السلفادور، فقد كان أكثر آباء الكنيسة انحيازًا للفقراء، وكان أول من أعلن ذلك صراحة، وأعلن معارضته لحكومة بلادة الديكتاتورية التي وصفها بالدموية والعداء للفقراء، وكان من أبرز معارضي الهيمنة الأمريكية بالمنطقة، وقد وضع عدة مؤلفات تعد الأساس الفعلي لحركة لاهوت التحرير، أهمها كتاب (عنف الحب) و(صوت من لا صوت لهم) الذي صار فيما بعد عنوانًا لسلسلة الكتب التي تعبر عن فكر وتوجيهات هذه الحركة. ولم يطبع هذان الكتابان إلا بعد رحيل روميرو بأكثر من عشر سنوات. وله كتاب (رسالة الأمل من أحد الشهداء)، وهو عبارة عن شرائط كانت تحمل تسجيلاته، إضافة إلى كتابه (أوقفوا الاضطهاد).

وقد استمر روميرو في دعوته إلى أفكاره المناصرة للفقراء والمستضعفين والرافضة لهيمنة الأغنياء حتى قتل في أوائل الثمانينيات، واتهمت حكومة السلفادور وقتها الثوار اليساريين بقتله، لكن ثبت بعدها أن المسئول عن اغتياله (كتائب الموت) التي كانت تابعة للشرطة والجيش السلفادوري، التي كانت مختصة بالتخلص من أعداء النظام، كما ثبت أيضًا تورط المخابرات المركزية الأمريكية في هذه العملية الشائنة!

وقد بلغت مكانة روميرو أن اعتبر جوستافو جوتييرز في كلمة ألقاها في الذكرى الخامسة عشرة لاغتياله "أن موت الأسقف" روميرو "يمثل نقطة فاصلة في تاريخ الكنيسة بأمريكا اللاتينية".

الأثر والصدى

وقد أحدثت حركة لاهوت التحرير، وقتها، انقلابًا هائلاً على كل المستويات في جميع دول أمريكا اللاتينية والوسطى، فلعبت دورًا هامًا أثناء فترات الحكم الديكتاتوري في تقوية الشعوب وحثها على الصمود، ودفعها أيضًا للمقاومة والتصدي لهذه الديكتاتوريات والتضحية بالأرواح ولكن في سياق إيماني، فتأثرت كل حركات التحريرية والثورية في هذه المنطقة بلاهوت التحرير، كما انخرط كثير من الأساقفة الكاثوليك في صفوف الثوار وخاضوا حروب العصابات، وحدث في كثير من الأحيان تداخل بين المنظمات الكنسية وبين المنظمات الثورية التي لم تملك إلا التأثر بلاهوت التحرير خاصة في جوانبه المتعلقة بنصرة الفقراء والمظلومين والانحياز لهم.

كما أحدث لاهوت التحرير انتعاشًا في مجال العمل الخدماتي والإنساني بسبب اهتمامها بالبعد الاجتماعي والخدمي في قراءتها لدور المسيحي، وتجديدها لاقترابات تفسير النصوص الدينية والتراث المسيحي؛ إذ نجحت جماعة اللاهوت في نشر اعتقاد داخل الدوائر الكنسية بقدرة الناس على التغيير إذا ما فكروا وعملوا معا، وقدرتهم على تغيير ظروفهم البائسة بل والدنيا بأسرها.

ويشير مسح أجرى عام 1989 في مدينتي ريودي جانيرو، وساوباولو بالبرازيل إلى أن (90 %) من الجمعيات التي تأسست لخدمة الفقراء وتنميتهم وتحسين أوضاعهم تأسست سنة 1970، وهي السنة التي بدأ فيها التأثير الحقيقي لحركة لاهوت التحرير، هذا بالإضافة إلى تنامي الدور الاجتماعي داخل الإبراشيات الكاثوليكية نفسها.

وفى إطار اهتمامها بالفئات المهمشة والمعدمة فتحت حركة لاهوت التحرير الباب لأول مرة أمام العناصر النسائية للتأمل المسيحي والتفكر في أصول الدين المسيحي، بعد أن كان ذلك قاصرًا على الرجال.

وعملت الحركة أيضًا على إتاحة كل شيء للفقراء بما فيها الثقافة والعلم والمعرفة؛ فكان لها دور تثقيفي وتنويري رائد بجانب الدور الاجتماعي والإنساني، فقدمت أهم كتب الثقافة والمعرفة في طبعات زهيدة تناسب الفقراء والمعدمين، فكان هناك -على سبيل المثال- سلسلة كتب بعنوان "صوت من لا صوت لهم" المأخوذة عن كتاب أوسكار روميرو الشهير السالف الذكر، وكان يحررها خوليان جوميث ديل كاستيو.

وكانت تُعنى بنشر مؤلفات الكٌتاب المهمشين والمجهولين في تاريخ الكنيسة الكاثوليكية الذين تمثل مؤلفاتهم قيمة حقيقية في طريق العدل الاجتماعي من منظور لاهوتي وتتفق مع أفكار لاهوت التحرير، وكانت هناك دار نشر تابعة للحركة الثقافية المسيحية مقرها في إسبانيا تتولى نشر هذه السلسلة، وكانت تتوجه لتأييد الحركات العمالية والشعبية في مواجهة الأغنياء والرأسماليين ومثلت أهم روافد حركة لاهوت التحرير الفكرية.

وقد كان تأثير حركة لاهوت التحرير متجاوزا لأمريكا اللاتينية والوسطى إلى داخل الولايات المتحدة نفسها التي كانت أكثر طرف تصدى لهذه الحركة وحاربها؛ لأنها تقوم بتمكين المستضعفين خاصة في ظل وجود أقلية معتبرة من أصول "هيسبانية"-مكسيكية وأمريكو/لاتينية-، بل وظهرت فيها حركة (لاهوت التحرير الأسود) متأثرة بنفس المنطق (إعادة قراءة المسيحية لمصلحة فئة معينة هي الأقلية السوداء)، حيث أعاد بعض الأمريكان السود من أتباع المذهب البروتستانتي قراءة المسيحية لمصلحة السود كرد فعل لعنصرية البيض وتمييزهم ضد السود، لكنهم انتهوا إلى نوع من العنصرية المضادة، وإلى الإعلاء من السود باعتبارهم العرق الأنبل، واعتبرت أن المسيح هو نبي السود ومخلصهم حتى صارت هناك رؤية لمسيحية سوداء بإزاء المسيحية البيضاء!

ويلاحظ أن الدين بشكل عام كان سلاحًا للسود لدعم تميزهم مثل أمة الإسلام على الجانب الآخر، التي وظفت الدين كعنصر تضامن وقوة مكنها من القيام بمسيرة مليونية للبيت الأبيض وتجميع السود حول قيادات بارزة.

على أن الفارق بين لاهوت التحرير في أصوله اللاتينية وبين لاهوت التحرير الأسود كان أن الأول بدا أكثر تركيزًا على الجانب الاجتماعي بعكس الثاني الذي غلب فيه البعد العرقي.

بين العدل والماركسية

وقد تحدث الكثيرون عن تأثر حركة لاهوت التحرير بالفكر اليساري والماركسي بصفة خاصة، واعتبروا أنها تمثل تمازجًا بين المسيحية والماركسية؛ نظرًا للتشابه الكبير في الأفكار الخاصة بالفقراء والمهمشين والعمال المعدمين، إلا أن التحليل الدقيق يؤكد عدم صحة ذلك؛ إذ إن التشابه في كثير من الأفكار يرجع -بصفة أساسية- إلى الواقع المشترك الذي ولّد اهتمامات مشتركة وأفرز أفكارًا متشابهة كان القاسم المشترك بينها الرغبة في التغيير ورفض الواقع الذي أدى إلى الظلم والفقر، في حين كانت المنطلقات متباينة تمامًا، ففي حين تأثر يساريو أمريكا اللاتينية بموجة المد الشيوعي التي كانت قد اجتاحت المنطقة في الستينيات والسبعينيات كانت منطلقات ومصادر فكر آباء حركة لاهوت التحرير منطلقات مسيحية كنسية خالصة.

فأوسكار روميرو الذي يردد مقولته الشهيرة "الخطيئة الحقيقية هي الظلم وعدم العدالة في توزيع الثروات"، وكأنه يبدو كمفكر يساري أصيل، كان من ألد أعداء الشيوعية، وكثيرًا ما هاجمها بعنف مؤكداً إيمانه المسيحي، وأن "الكنيسة" هي ظل الله في الأرض، وهو صاحب الشعار المعروف (الدين للفقراء) الذي يعتبر الدين المخلص للفقراء.

وكتاب (الإنثروبولوجيا الاجتماعية) الذي كان بمثابة وثيقة عمل ورؤية نظرية لحركة لاهوت التحرير -رغم تأثره الواضح والكبير ببعض الأفكار الماركسية- نجد أن مؤلفه دون كوماس مالاخون كان يعكس فيه أفكاره كمسيحي ملتزم وليس كيساري، وكان دائم التأكيد على دور الكنيسة المسيحية رغم آرائه التحررية والثورية في كافة جوانب الحياة.

والحقيقة أن الخلط السائد عند بعض المحللين بين أفكار حركة لاهوت التحرير وبين الأفكار اليسارية لا يرجع فقط إلى تشابه الواقع الذي أفرزهما، وإنما أيضًا إلى ما حدث من تعايش خلاق بينهما، ففي حين كان رجال لاهوت التحرير يتمتعون بانفتاح واسع ومتحرر على الفكر الإنساني على اختلافه بما فيه الفكر اليساري، كانت الحركات اليسارية في أمريكا اللاتينية تدرك طبيعة شعوبها وخلفيتها الدينية وتعي أنها شعوب مسيحية مؤمنة ومتمسكة بإيمانها المسيحي فلم تسع إلى الصدام مع الخلفيات الدينية لها بما سمح بالتعايش والتلاقح الفكري بين الجانبين، وهو ما أوجد نوعًا من التشابه بين أفكار كل منهما، وإن احتفظ كل فريق بمنطلقات ومرجعيات مغايرة للآخر.

ومع نهاية عقد السبعينيات ومنتصف الثمانينيات كان الواقع الذي ظهرت فيه حركة لاهوت التحرير قد تغير كثيرًا في أمريكا اللاتينية عما كان عليه بعد أن سقطت الأنظمة الشمولية والعسكرية، ودخلت بلادها عصور التحول الديمقراطي، وهو ما دفع بأحد كبار مؤسسيها "جوستافو جوتييرز" سنة 1996 للقول بأن "العالم الذي أوجد لاهوت التحرير يبدو أنه يقترب من نهايته، وتبدو حتمية لسلسلة من التغيرات السياسية والاقتصادية والكنسية على نطاق العالم وعلى نطاق أمريكا أيضًا".

ورغم ذلك فتظل حركة لاهوت التحرير إحدى علامات الفكر الإنساني الهامة في العصر الحديث، والتي تفيد في تطوير رؤانا بشأن علاقة الدين بالعدل والإيمان بالحرية والكرامة الإنسانية للفئات المهمشة والمستضعفة في عصر عولمة الرأسمالية وتدويل سلطة السوق.

يمكن الرجوع للنسخة الأصلية علي موقع إسلام أون لاين.

الثلاثاء، 7 يوليو 2009

هل يكره الغربيون الإسلام..؟! علاء الأسواني

السيد دينى باتين، قسيس أمريكى من طراز خاص.. فهو قد أنشأ عام 1996 فى ولاية أريزونا، جمعية اسمها «الدبلة الفضية».. الهدف الأساسى لهذه الجمعية دعوة الشباب الأمريكيين من الجنسين إلى الامتناع عن ممارسة الجنس قبل الزواج وإقناعهم بأن الجنس خارج الزواج هو الزنا الذى حرمه السيد المسيح. فى كل أسبوع يعقد القس باتين احتفالات تحضرها عشرات الفتيات الأمريكيات، يقرأن معه الكتاب المقدس ثم يتعهدن أمام الرب بالاحتفاظ بغشاء البكارة سليما حتى يفضه الزوج الشرعى..

فى نهاية الاحتفال ترتدى كل فتاة فى يدها اليسرى دبلة فضية منقوش عليها كلمة النقاء، وتظل الدبلة الفضية فى يد الفتاة دليلا على عذريتها حتى يخلعها زوجها من يدها فى ليلة الزفاف. المدهش أن دعوة السيد باتين تلقى رواجا متزايدا فى أمريكا حتى اقترب عدد أتباعه من 2 مليون أمريكى. بل إن بعض الفتيات اللاتى فقدن عذريتهن قبل انضمامهن إلى جمعية الدبلة الفضية يجرين عمليات ترقيع لغشاء البكارة حتى يبدأن من جديد سلوك الفضيلة كما يسميه القس باتين. كما تتلقى الجمعية دعما ماليا سنويا من الحكومة الأمريكية.


وقد شاهدت فى التليفزيون الفرنسى برنامجا طويلا عن القس باتين وجمعيته. ظهر فيه أتباعه يدافعون عن عذرية الفتاة كمقياس للفضيلة. وظهرت طبيبة نفسية فرنسية ناقشت أفكارهم واختلفت معهم باحترام.. ووجدتنى أتساءل: إن أفكار القس باتين عن عذرية الفتاة كمعيار للفضيلة تتطابق تماما مع الثقافة العربية الإسلامية. لكنهم فى تليفزيون فرنسا يتعاملون معه بأدب لأنه أمريكى مسيحى أبيض ولو أن نفس الكلام صدر عن عربى أو مسلم لانهالت عليه الاتهامات بالتخلف والهمجية واحتقار المرأة.. هذه الازدواجية الغربية منتشرة والأمثلة عليها بلا حصر. أجريت الانتخابات مؤخرا فى إيران وفاز بها أحمدى نجاد ثم ثارت شكوك واتهامات بالتزوير وهنا قامت الدول الغربية جميعا ولم تقعد وأصدرت بيانات شديدة اللهجة من أجل نصرة الديمقراطية فى إيران ويدفعنا ذلك إلى السؤال: إن الانتخابات المصرية تزور بانتظام منذ سنوات طويلة والرئيس مبارك يتولى الحكم عن طريق استفتاءات مزورة، فلماذا لم يثر ذلك غضب الساسة الغربيين؟..

الإجابة أن الغرض من هذه الضجة ليس نصرة الديمقراطية ولا يحزنون وإنما إحراج النظام الإيرانى الذى يعادى إسرائيل ويسعى لتطوير قدراته النووية مما يشكل تهديدا للاستعمار الغربى، أما النظام المصرى، فعلى الرغم من كونه استبداديا وفاسدا، إلا أنه مطيع ومستأنس وسياساته تصب دائما فى خدمة إسرائيل وأمريكا ولذلك يغطى الإعلام الغربى على أخطائه مهما بلغت بشاعتها.. أثناء المظاهرات الإيرانية الأخيرة انطلقت رصاصات مجهولة المصدر فقتلت فتاة إيرانية من المتظاهرين، اسمها ندا سلطان.. وسرعان ما تحول مقتلها إلى الخبر الأول فى صحافة العالم وقد تأثر السياسيون الغربيون لمقتل ندى أشد التأثر حتى أن الرئيس أوباما قال وهو يغالب دموعه: «إنه لأمر يمزق القلب حقا».. وبعد أسابيع قليلة، فى مدينة دريسدن الألمانية، كانت السيدة المصرية مروة الشربينى.. تحضر محاكمة شخص ألمانى وجه لها سبابا عنصريا لأنها محجبة.. وقد حكمت المحكمة الألمانية بتغريمه مبلغ 2800 يورو عقابا له على إهانة مروة. وعند النطق بالحكم، أصيب المتطرف الألمانى بهياج شديد وانهال على مروة وزوجها طعنا بالسكين فماتت مروة فورا متأثرة بجراحها بينما نقل زوجها إلى المستشفى فى حالة حرجة..

المفترض أن قيمة الحياة الإنسانية تتساوى عند الناس جميعا فالحزن الذى أصاب أهل مروة لمقتلها لا يقل عن حزن أهل ندى الإيرانية.. يفترض أن مقتل مروة ومقتل ندى جريمتان متساويتان فى البشاعة والتأثير.. لكن مقتل المصرية المحجبة لم يتمزق له قلب الرئيس أوباما ولم يظهر أصلا فى صدارة الإعلام الغربى بينما تركزت الأضواء كلها على مقتل ندى. والسبب أن مقتل ندى يشكل إدانة للنظام الإيرانى المعادى للغرب أما مقتل مروة فيدل على أن الإرهاب ليس قاصرا على العرب والمسلمين.. فها هو إرهابى ألمانى مسيحى أبيض يقتل إنسانة بريئة لا يعرفها ويشرع فى قتل زوجها لمجرد أنها مسلمة ومحجبة. وهذا المعنى لا يحب الإعلام الغربى أن ينقله أبدا.. الخلاصة أن الغرب غالبا ما يتبنى، سياسيا وإعلاميا، رؤى وسياسات معادية للعرب والمسلمين.. هذه حقيقة لا يمكن إنكارها.. ولكن هل يعتبر العرب والمسلمون مجرد ضحايا أبرياء للتحيز الغربى؟ الإجابة لا قاطعة.. فلا يمكن أن نستعمل الغرب كمصطلح حصرى.. الغرب لا يعنى شيئا واحدا. إذا كان الغرب منحازا ضدنا سياسيا وإعلاميا فإن ملايين الغربيين العاديين لا يحبون الإسلام ولا يكرهونه لأنهم ببساطة لا يعرفون عنه شيئا.. والآن.. ما هى الصورة التى يقدمها المسلمون أنفسهم للإسلام؟..

لو أن مواطنا غربيا قرر أن يعرف حقيقة الإسلام عبر ما يفعله المسلمون وما يقولونه.. ماذا سيجد..؟!.. سوف يطالعه أسامة بن لادن وكأنه خارج من كهوف العصور الوسطى ليعلن أن الإسلام يأمره بقتل أكبر عدد من الغربيين الصليبيين، حتى ولو كانوا مواطنين أبرياء لم يفعلوا أى شىء يستوجب العقاب. ثم سيقرأ الغربى كيف قررت حركة طالبان إغلاق مدارس البنات فى المناطق التابعة لها لأن الإسلام يمنع تعليم المرأة باعتبارها كائنا ناقص العقل والدين. بعد ذلك سيقرأ الغربى تصريحات من يسمون أنفسهم فقهاء إسلاميين.. يؤكدون فيها أن المسلم إذا انتقل إلى دين آخر فإن الإسلام يأمر باستتابته أو ذبحه من الوريد إلى الوريد. سيؤكد بعض هؤلاء الفقهاء أن الإسلام لا يعرف الديمقراطية وأن طاعة الحاكم المسلم واجبة حتى ولو ظلم رعيته وسرق أموالهم.. وسوف يرحبون بأن تغطى المرأة وجهها بالنقاب حتى لا يقع من يراها فى الشهوة الجنسية فيتحرش بها أو يغتصبها. وسيؤكد كثير منهم أن الرسول صلى الله عليه وسلم قد تزوج من السيدة عائشة وهى طفلة فى التاسعة من عمرها.. سوف يقرأ الغربى كل ذلك وهو لن يعرف الحقيقة أبدا. لن يعرف أن عمر زوجة الرسول كان 19 عاما وليس 9 سنوات، لن يعرف أن الإسلام قد ساوى تماما بين الرجل والمرأة فى الحقوق والواجبات جميعا. لن يعرف أن من قتل نفسا بريئة فى نظر الإسلام فكأنما قتل الناس جميعا. لن يعرف أبدا أن النقاب لا علاقة له بالإسلام وإنما هو عادة انتقلت إلينا، بأموال النفط، من المجتمع الصحراوى المتخلف.. لن يعرف الغربى أبدا أن رسالة الإسلام الحقيقية هى الحرية والعدل والمساواة. وأنه قد كفل حرية العقيدة فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر وأن الديمقراطية هى الإسلام نفسه لأنه لا يجوز للحاكم المسلم أن يتولى السلطة إلا برضا المسلمين واختيارهم.. بعد كل ذلك هل نلوم هذا الغربى إذا اعتبر أن الإسلام دين التخلف والإرهاب؟..

فى العام الماضى حصلت على جائزة برونو كرايسكى الأدبية فى النمسا. وقام السيد رئيس وزراء النمسا بتسليمى الجائزة.. وكان يفترض أن ألقى كلمة بهذه المناسبة. فاخترت أن أتحدث عن حقيقة الإسلام وحكيت للأجانب الحاضرين أن الرسول صلى الله عليه وسلم كان رقيق المشاعر لدرجة أنه عندما كان يسجد للصلاة كان حفيداه الحسن والحسين كثيرا ما يقفزان للعب على ظهره، فيظل هو ساجدا حتى لا يزعج الطفلين حتى ينتهيان من اللعب ثم يستأنف الصلاة.. وقلت للحاضرين: هل تتخيلون أن رجلا يوقف صلاته حتى لا يزعج الأطفال، يمكن أن يدعو إلى قتل الأبرياء وإرهابهم؟.. وقد استقبل الحاضرون هذه الحكاية باهتمام وجاء كثيرون ليسألونى كيف يستقون معلومات حقيقية عن الإسلام..

صحيح أن السياسة الغربية تعاملنا باعتبارنا سكان مستعمرات، لا يحق لنا أبدا أن نتمتع بحقوق المواطن الغربى وصحيح أن الإعلام الغربى ينحاز غالبا ضد العرب والمسلمين لكن الصحيح أيضا أن القراءة السلفية الوهابية المتخلفة المنتشرة الآن فى العالم الإسلامى تساعد فعلا على ترسيخ صورة ظالمة وسيئة للإسلام.. واجبنا أن نبدأ بأنفسنا.. يجب أن نخلص الإسلام من كل الخزعبلات والأكاذيب والأفكار المتخلفة التى التصقت به وهو منها براء..

الديمقراطية هى الحل

السبت، 6 يونيو 2009

السياسة السعودية ودورها في الازهر

-بقلم محمد عبد الحكم دياب "موقع مصرنا ".مائل
الفتنة الطائفية في مصر تطل برأسها وتخرج لسانها للجميع. ونعيد ونكرر أنها وجه من وجوه فتنة شاملة أشعلتها منظومة الاستبداد والفساد والتبعية التي أودت بالبلاد ال التهلكة، ونراها في تصرفات وسلوكيات المواطنين، مسلمين ومسيحيين، وصارت لها الكلمة العليا في المؤسسات والجماعات الدينية، الرسمية والأهلية. ووقع الأزهر في أسرها، وهو كمؤسسة إسلامية رسمية للدولة تأثر بما يحدث لها ومنها، وصار عاجزا عن إطفاء الفتنة أو التخفيف من حدتها، ووقع، مثل غيره، فريسة لتيارات أخذت عل عاتقها إيجاد مبررات وذرائع تحض عل الكراهية وتشجع التمييز، وبلغت من الخطر ما يجعل علاجها فوق طاقة جهة أو مؤسسة أو جماعة واحدة.

لا يفلح فيها لقاء شيخ الأزهر بالبابا، ولا يداويها عناق معممين وكهنة. وساهمت أوضاع الأزهر المتردية، في العقود الأخيرة، في زيادة الاحتقان الطائفي، وتقتضي البداية التعرف عل أحوال الأزهر بما يتفرع عنه وما آل إليه أمره.

والأزهر، كما هو معروف، أ نشأته الدولة الفاطمية وهي تنقل عاصمتها من الشمال الإفريقي ال مصر، في عام 359هـ - 970م. أي منذ أكثر من ألف عام. وكان الغرض من إنشائه التبشير والدعوة لمذهب الدولة، الإسماعيلي الشيعي، ومع ذلك يحسب للفاطميين أنهم أقاموا الأزهر مؤسسة دينية علمية منفتحة. ذات أفق واسع، واستقر ذلك واقعا طبع مسيرته وتاريخه، ويصف الباحث الإسلامي رفعت سيد أحمد في دراسة له عن وضع الأزهر بالقول: كانت تتجاور وتتحاور بداخله المدارس الفقهية المختلفة ، وأرجع السبب ال سماح الفاطميين للمذاهب السنية الأربعة (الشافعية والمالكية والحنبلية والحنفية) بالتواجد فيه، ومحافظتهم عل مسجد عمرو بن العاص، معقل الفقه السني. وتحويله ال منبر رسمي للخليفة الفاطمي في صلوات الجمع في شهر رمضان وعيدي الفطر والأضح، وفي هذا المناخ استطاع الأزهر، كما ذكر الباحث، استقبال كبار فقهاء وعلماء السنة، أمثال أبو حامد الغزالي، الهارب من بطش السلطة العباسية. لم تطلب منه سلطات الدولة، آنذاك، تغيير أفكاره، أو منعته من بثها والتعبير عنها، وتمكن من احتضان العلماء، مثل الحسن بن الهيثم. عالم البصريات والهندسة والمكتشف العربي الفذ.

هذه النشأة جعلت من الأزهر مثابة للدين والعلم والحوار والتفاعل والاحتكاك، وحين سقطت الدولة الفاطمية كانت هذه التقاليد قد ضربت بجذورها في تربته، فاستمر دارا للمعرفة والعلم والتسامح، وفي دوره الجديد الذي نما مع انتصارات صلاح الدين عل جحافل جيوش الفرنجة (الصليبية)، انتقل من مقام التسامح الديني ونشر العلم ال طور الذود عن الأوطان ومقاومة الطغيان. وكثيرا ما عبأ الناس عند الابتلاء وحشدهم لمواجهة الأعداء. واجه ظلم المماليك وانحرافاتهم، وتصد لموجات العدوان والاحتلال المستمرة. ولعب دورا مشهودا في مواجهة الحملة الفرنسية، وقاد ثورتي القاهرة الأول والثانية، حت هُزمت القوات الغازية. وسِجل الأزهر يذخر بملاحم مقاومة الاحتلال البريطاني، وفور خروجه من مصر في 1956 عاد مرة أخر في السنة ذاتها، فكان الأزهر ملاذ عبد الناصر. يدعو من عل منبره جماهير الشعب للقتال والمقاومة. وبدأ دوره في التراجع منذ منتصف السبعينات، وعل مد عقود بقي فيه رجال يدافعون عنه ويحولون بينه وبين السقوط، حت تول شيخه الحالي أمر إدارته، فألقي به في هاوية ليس لها قرار.

والتحدث عن الأزهر لا يجب أن يغفل دار الإفتاء لأنها خرجت من رحمه وولدت في حِجْره. ودار الإفتاء مؤسسة دينية أحدث. ظهرت بهيئتها الحالية في سنة 1313هـ و1895م ، وأول من تول منصب الإفتاء رسميا هو الشيخ محمد عبده، وقبل ذلك كان الافتاء مهمة الأزهر. ويوكل أمره ال أئمة المذاهب الأربعة، وتشير بعض المصادر ال أن نظام الإفتاء نشأ وتطور في أحضان الدولة العثمانية، وكانت حنفية المذهب، وتعتمد الفتاو الحنفية من بين فتاو المذاهب الأربعة في التشريع والقضاء، ولما وهنت دولة بني عثمان وضعفت، بدأ الاعتماد عل مفتي واحد، وصدر لذلك مرسوم عن الخديوي عباس حلمي، عين بمقتضاه الشيخ محمد عبده مفتيا للديار المصرية، ومعن ذلك اعتماد المذهب الحنفي مذهبا رسميا للدولة. ومع تغيير النظام السياسي للبلاد أصبح يلقب بمفتي جمهورية مصر العربية، ومثله مثل شيخ الأزهر يعين بقرار جمهوري ويعامل وظيفيا وماليا بدرجة وزير. كما يعامل شيخ الأزهر بدرجة رئيس وزراء. وتضطلع دار الإفتاء بمهمة الرد عل السائلين فيما يخص الأحكام الفقهية، وبيان الحكم الديني في أحكام الإعدام، الصادرة عن محاكم الجنايات، وتدريب المبعوثين إليها من البلاد الإسلامية عل فنون وقواعد الإفتاء وشروطه، ومن مهامها الأخر تحديد بدايات الشهور العربية، بالتعاون مع مرصد حلوان، وهيئة المساحة المصرية، وأقسام الفلك بالجامعات، وطبع ونشر الفتاوي وحفظها في مجلدات، وما أصاب الأزهر أصاب دار الإفتاء، وينطبق عليها الآن قول الرسول الكريم: إن من علامات فساد الزمان أن يكثر عدد الذين يفتون بغير علم.

ويرتبط تراجع الأزهر بتراجع الدور المصري وصعود النفوذ السعودي، وتأثيره المتنامي مع هزيمة 1967، ويعود ال ما يعرف بحقبة ـ البترودولار وسياسة دفتر الشيكات لشراء الولاء والذمم، وانتعاشها منذ سبعينات القرن الماضي، والإفصاح عن وجهها كرديف للجهد الأمريكي المكثف لاحتواء المنطقة. ولم يكن ذلك ممكنا دون غياب الدور المصري، السياسي والتنموي والديني والثقافي والحضاري. ونجحت في ذلك نجاحا كبيرا، وصرفت عل ذلك أموالا طائلة تقدرها بعض المصادر بـ76 مليار دولار عل مد ثلاثين عاما. وظهر في الأزهر من يستجيب للإختراق ويقبل بإغراء المال وفساده، فعمل عل تحريم مظاهر وأساليب العصر والحياة المتمدينة، ووجدنا من بين الأزهريين من يحرم التعامل مع المواطن لمجرد الاختلاف في الدين، ومن يفتي بتحريم الزهور للمرض والأفراح، ويرفض القبول بكروية الأرض، وغطت مثل هذه الفتاو المجال كافة، من زيارة القبور وعذاب القبر وأهوال الآخرة، والدعوة ال هدم القباب الأضرحة، والتشبه بمن أزالوا أضرحة آل البيت والخلفاء الراشدين والصحابة في البقيع وغيره. وتمكنت هذه العدو من الأزهر ودار الإفتاء، وخرجت الآراء والفتاو المنافية للدين والمنطق والعقل. تتناول كل ما هو شاذ وغريب، فيفتي أحد مشايخ الأزهر بإرضاع الكبير ليصبح محرما عل زميلته في العمل. وادع المفتي الرسمي شرب الصحابة لبول الرسول الكريم وتبركهم به.

وساهم التوجه الرسمي للأزهر فيما وصلت إليه الأوضاع الداخلية من ترد. وترك الجمهور منشغلا بطول اللحية وقصر الجلباب وثواب استخدام السواك، ومواصفات زي المرأة، والتلهي بالكشف عما في الصدور والنوايا التي تقف خلف التصرفات، فطلقوا السعي في الحياة، وتخلوا عن العمل وإعمار الأرض، ورفضوا الناس وأدانوا المجتمع. والملفت للنظر أنهم استعاضوا عن كل هذا بنفاق المستبدين، ومداهنة السلاطين، واستقبال الغزاة والمحتلين، وتشجيع المطبعين، وفي هذه البيئة المعتلة امتدت مظلة التكفير لتغطي المخالف في الرأي والمذهب والدين، ومن يكفّر مسلما خالفه الرأي أو المذهب، من السهل عليه أن يهدر دم المغاير له في الدين. وقيادة الأزهر، الذي قاد جهد التقريب بين المذاهب عل يد الشيخ عبد المجيد سليم، في أربعينات القرن الماضي، وأحياه الشيخ محمود عاشور مؤخرا لا يبالي بالفتنة، ولا بالاختراق الصهيوني والتسلل الأمريكي، الذي جعل شيخه يستقبل حاخامات الدولة الصهيونية. يرحب بهم في مقره العتيد، ويقر غزو العراق، وسار المفتي عل نهج شيخه، لعله يحصل عل منصبه بعد رحيله. ووصلت الجرأة ال تكفير حزب الله، لأنه قاد المقاومة الإسلامية اللبنانية، وحقق بها نصرا عزيزا، عل الآلة العسكرية الصهيونية في صيف 2006.
ووضع الأزهر المتردي سمح للمليادير السعودي صالح كامل بتأسيس مركز يحمل اسمه داخل جامعته العتيقة، بجوار قاعة الشيخ محمد عبده، القريبة من كلياته التقليدية (أصول الدين والشريعة واللغة العربية) ومصادر تمويل ذلك المركز هي نفس المصادر الممولة لفضائيات الفيديو كليب والسينما والأغاني الهابطة. ولم تنج مؤسسة الأسرة من الداء، حيث ابتدع أمراء الفتنة صيغا رافضة للزواج الإسلامي المدني، ولا تعتد بالمستندات الرسمية والشرعية.
وهي صيغ مشكوك في سلامتها القانونية والشرعية، مفسحين المجال للتفكك الاجتماعي والضعف الأسري والفساد الأخلاقي، وير مؤرخون أن السياسة السعودية تثأر من مصر بسبب مسئوليتها التاريخية عن حماية منطقة الحجاز، واستقر ذلك تقليدا لديها منذ عهد الدولة الطولونية 868م، وهو ما دفع محمد علي، حين شعر بالخطر عل الحجاز ال توجيه جيشه ال الدرعية سنة 1811، وحال بين الدولة السعودية الأولي والتقدم نحوه. يصف الحبرتي الموقف بالقول: أقنعهم سعود بأن الحجازيين كفار فجار ، لتحريض رجاله عل القتال وإهدار دم مسلمين مثلهم. كيف لمن يتبع هذا النهج ان يكون رحيما بالمصريين أو غيرهم؟

وما لم يتحقق بالسلاح، أيام محمد علي تحقق بالمال وموالاة الأعداء. ومن يأمر بإحراق المحمل المصري، ويعيد المحمل الشامي من غير حج، في تلك الأيام، لا يعنيه أمر دين ولا ملة أو مذهب . يذكر الجبرتي: لما امتنعت قوافل الحج المصري والشامي، وانقطع من أهل المدينة ومكة ما كان يصل إليهم من الصدقات والصرر، خرجوا من أوطانهم بأولادهم ونسائهم وأتوا ال مصر والشام، ومنهم من ذهب ال اسلامبول (اسطنبول) يتشكون من الوهابي، ويستغيثون بالدولة في خلاص الحرمين لتعود لهم الحالة التي كانوا عليها .

والأزهر أضح مؤسسة تعول عليها الإدارة الأمريكية والدولة الصهيونية، والعديد من المنظمات الغربية دور في التمييز بين مذهب وآخر ودين وآخر وطائفة وأخر، تهيئة للمسرح لجحافل الغزو القدمة. والتمييز يصنع الفتنة. والخلاصة أن الأزهر لن يسترد دوره، ويعود له تأثيره، وهو ينتمي لنظام سياسي ضعيف ومستبد، ويتبع دولة رخوة وتابعة. ومشكلة الأزهر ليست فقط فيما حدث فقط إنما في التزامه بأيديولوجية انعزالية ساوت بينه وبين التيار الانعزالي في الكنيسة المصرية، وبينه وبين مسيحيي أمريكا من ذوي الأصول المصرية، وهم الآن الأكثر تأثيرا في إزكاء الفتنة واستقواء بالخارج. وهذا مبحث آخر.

الخميس، 14 مايو 2009

أكاديمية التغيير.. إنتاج صناعة ثقيلة بالمنطقة العربية

- الموضوع علي إسلام أون لاين إضغط هنا

-الموضوع علي موقع أكاديمية التغيير إضغط هنا

أحمد عبد الحميد


أكاديمية التغيير
تعنى الأكاديمية بوسائل التغيير
ثلاثة باحثين هم أحمد عبد الحكيم وهشام مرسي ووائل عادل أرادوا من خلال مشروعهم "أكاديمية التغيير" المساهمة مع المجتمع العلمي العالمي في تطوير صناعة التغيير، والكتابة إلى المنطقة العربية، وتزويد الحركات والأحزاب السياسية والحكومات –بما فيها بعض المؤسسات الغربية- بأدوات الفعل الاجتماعي والسياسي لتكون قادرة على ممارسة التغيير والتحول الحضاري.

عكف هؤلاء لسنوات على دراسة التجارب الإنسانية ووسائل التغيير، رأوا ضرورة الاهتمام بالتأصيل العلمي لقضية بناء مجتمعات قوية، وهي في منظورهم تلك المجتمعات القادرة على حمل مشروع ورسالة حضارية، وتمتلك أدوات تحقيقه من خلال دعم أو معارضة أو تغيير حكوماتها، مجتمعات لديها القدرة على التأثير في صناع القرار، وأدركوا أنه لكي تقوم حركة ما بالتغيير عليها أن تؤسس "ثقافة للتغيير" على أسس علمية، وأن تصبح رؤيتها وخطها التغييري مبنيان على هذه الأسس، وعزوا أحد أهم أسباب انصراف الجماهير عن بعض "حركات التغيير" إلى اعتبارها مجموعة من "الهواة" صدروا أنفسهم بدون فهم وخبرة كافيين لإدارة مشروع تغييري ناجح، كما أن الإنجازات السياسية لم تتحقق تاريخيا عبر الترديد المستمر للمبادئ أو لعن الخصوم، وإنما عبر قيادات تمكنت من إيجاد أدوات فعالة لتحقيق الانتصار.


اللاعبون بالأكاديمية


شاهد:

أهداف الأكاديمية تمثلها "الشرائح" الموجه لها خطاب الأكاديمية ورؤيتها، فالأكاديمية على المستوى الأرقى تستهدف إنتاج "علماء تغيير" متخصصين في "صناعة التغيير" يساهمون في تطوير ما أنتجه العالم في هذا العلم، حيث استطاعت الأكاديمية أن تكون من أوائل من يكتب بالعربية في هذا المجال بشكل ممنهج وفق رؤية تجيب على أهم الأسئلة المطروحة في هذا المجال.

الهدف الثاني للأكاديمية هو تخريج "إستراتيجيين" وتعني بهم القيادات والرموز التغييرية الموجودة بالشارع، والملتحمة بالجماهير لتتعامل مع الأحداث القائمة بشكل أكثر ذكاء ووعيا، وجعلها قادرة على رسم الأطر الإستراتيجية لإدارة العملية التغييرية.

ثم يأتي الهدف الثالث للأكاديمية وهو تكوين ثقافة عامة، ونشر نمط تفكير مختلف يساهم في خلق مجتمعات قوية مؤهلة لحمل مشروع حضاري وامتلاك أدوات تحقيقه.


ورغم أن عمر الأكاديمية لم يتعد السنوات الثلاث حيث تم تسجيلها في لندن عام 2006، وانطلقت في العمل من خلال شبكة الإنترنت، فإنها استطاعت خلال هذه السنوات الثلاث أن تؤسس لهذا العمل على مستويات عدة، حيث أنتجت خمسة مطبوعات متعلقة بحرب اللاعنف وهي: "حرب اللاعنف.. الخيار الثالث", "حلقات العصيان المدني"، فضلا عن الدراسات غير المطبوعة المقدمة إلى جامعات عربية وأوروبية، كما قدمت الأكاديمية العديد من الاستشارات للباحثين في هذا المجال، وقامت عن طريق التدريب الإلكتروني بتدريب ما يزيد على الـ500 متدرب من بلدان شتى على عدة دورات مثل "تكتيكات حرب اللاعنف" و"رسالة الإعلام المقاوم"، وبدأت في الاهتمام بتبسيط الأفكار ونشرها عبر الأفلام فأنتجت فيلما قصيرا بعنوان "الدروع الواقية من الخوف" بالإضافة إلى العديد من مختصرات الأفلام المعنية بنشر ثقافة التغيير.


فلسفة الصراع


النظام الديكتاتوري بيده القبض والبسط، والمنح والمنع، يمنع الشرعية عن قوة يراها قد تمثل بديلاً له في الشارع أو أمام الغرب، وإن أعطى الشرعية فهو يعطيها إما لحزب ورقي يستكمل به الشكل الديمقراطي، أو يعطي المشروعية لحزب آخر ذي رؤية جيدة –والتي قد يكون في إطار صفقة أو ضغط خارجي- وقد يعول عليه الشعب تغييرا أو حراكا ما، وهنا لا يتركه النظام يعمل بشكل جيد في الشارع؛ حيث يقلص من حركته عن طريق قوانين مشبوهة، أو تُرصد لقادته ورموزه، وبالتالي تنتهي الحالة السياسية إلى عملية مغلقة على النظام يتحكم هو في كل آلياتها ومفرداتها.


الأكاديمية لا ترى في "الحل الدستوري" وحده وسيلة للتغيير داخل بعض البلدان العربية التي امتلكت فيها الأنظمة كل مقدرات القوة والشرعية، وعقدت اتفاقية أبدية بينها وبين كراسي الحكم، في الوقت الذي تعمل فيه على وأد أي قوة ناشئة شرعية أو غير شرعية تريد التغيير والاكتفاء بانتهاج المسار الدستوري النيابي من وجهة نظر الأكاديمية يمنح المبرر القانوني من جهة واللاأخلاقي من جهة أخرى للنظام ليضرب على يد المقاومة والأحزاب السياسية ونشطاء العمل المدني لتصبح الأخيرة بلا أي غطاء يحميها من جبروت النظام والسلطة.


وبالرغم من أن "أكاديمية التغيير" لا ترى بتطابق حالة المجتمعات العربية مع حالة التجارب الناجحة في تغيير الأنظمة السياسية التي كانت موجودة في بعض بلدان آسيا أو أوروبا الشرقية بعد سقوط الاتحاد السوفييتي -فإن خيار حرب اللاعنف يستحق أن يُدرس بعمق كخيار محتمل- حيث تنقل حركات التغيير المجتمع من حالة المجتمع الأعزل فاقد الحلم والأمل غير المسلح إلى المجتمع المعتز برسالته المؤمن بإمكانية الفعل والذي يمتلك أدوات استعادة السلطة عبر المواجهة اللاعنيفة مع الأنظمة الديكتاتورية، وترى الأكاديمية أن هذا المسار قد يكون أكثر واقعية وقدرة على تحقيق التوازن السياسي بين طرفي الصراع من المسار الدستوري الأعزل للتعامل مع أنظمة قمعية أوقفت الحراك السياسي لمجتمعاتها.


للثورة فنون


"الإطاحة بطاغية"، "سقوط ديكتاتور"، "كنا محاربين"، "الحرية في زماننا"، "ماتريكس" و" V for vendetta" و"القلعة الأخيرة" و"غاندي".

مجموعة من الأفلام الوثائقية والروائية تقدمها الأكاديمية على موقعها لتؤصل لثقافة التغيير، كما تنقل من خلالها فكرة الخوف الذي يستطيع الإنسان أن يقهره، والواقع السلبي الذي تستطيع أمة ما تغييره بشرط أن تمتلك الإرادة.

الأكاديمية ترى في الفن دورا هاما وقويا في توعية الشارع، من خلال تبسيط المفاهيم التغييرية العلمية في قوالب فنية، بحيث يصبح التغيير ثقافة شعبية لا ثقافة نخب.

حيث كان للآداب والفنون دور كبير في إيصال الأفكار العظيمة التي أنتجها مفكرون عظام كـ "جان جاك روسو" و"مونتسكيو" و"فولتير"، مما ساعد في الحراك المجتمعي الغربي.


وبجانب المواد الفيلمية على موقعها، هناك مجموعة أغان عن رؤية الأكاديمية في فلسفة التغيير، وإن كانت على مستوى حرفي وفني ليس بجيد، لذا فالأكاديمية تبحث في هذا المشروع وأيضا مشروع "إنتاج قصص قصيرة وروايات للجيب" لمحترفين لديهم الموهبة الكافية، بينما تشارك هي في وضع الأفكار، والتدريب، وتسويق المنتج بالمشاركة مع جهة نشر تتولي الطبع والتوزيع.


الأحد، 3 مايو 2009

اتجاه عكسي

ظللت كل تلك الأيام العصيبة وانا اُعانى فى مذاكرة هذه الماده الثقيلة الكئيبة على قلبى .." الكيمياء العضوية " .

طالما كانت عبئا علىَ خلال سنوات دراستى الثلاث الماضية، وها هى تقف حجر عثرة فى سبيل حصولى على التقدير الذى اتمناه فى السنه الأخيره فى كليتى، لقد حانت اللحظه الأخيره لأنُهى معاناتي معها ..!

ظللت الأيام السابقه للأمتحان أُراجع ما ذاكرته خلال أيام السنة، مع مراجعة كل الملازم وحل كل إمتحانات السنين الماضية ..

"بارك الله في امى وأبى قد سهرا بجوارى وظلا يُصليان؛ مع دعواتهما لى أن يوفقني الله في هذه المادة بالذات للحصول على تقدير عال".

دخلت علىَّ أمي ليلاً كعادتها تحمل صينيه مليئة بالطعام، مع كوب من اللبن وهى مبتسمة الثغر مستبشره.. هتفت فى نفسى "كم احبك يا أمى "
قالت لي أمي :"إستبشر خيرًا يا بني"

سألتها " : خيرًا يا أماه ..؟!

:" رأيتُ لك رؤيا اليوم مبشرة..رأيتُك وأنت على مِنصة في حشد من الناس يصفقون لك ؛ وأنت واقف بينهم فرح مبتهج .."

"لعله خيرا يا اماه، أدع الله لي"

تركتني امى بعد أن دعت لى بالخير ثم أكببت على دروسي لم يبق إلا يوم واحد وتبدأ الملحمة...!!!

قطعتُ فى - هذه الأيام بالخصوص- اتصالاتى برفقائى حتى زملائى بالكليه؛ حتى استقر واهدأ تماما لمذاكرة الماده ..

ظللتٌ اليوم السابق على الأمتحان أعمل على مراجعة المادة، وأدخلت نفسي امتحاناً شبه حقيقي حيث أغلقت علىَ باب حجرتي ثلاث ساعات، ثم أجبت على امتحان في الكيمياء العضوية من "ملزمة الأختبارات "، واجبت فيه بما هدأ من روعي قليلا، ثم قرأت العناوين الرئيسية والفصول الهامه، ثم نمت ثلاث ساعات فقط وبت أحلم بنجاحى وتفوقى ..."

أحببتٌ أن أنتهز فرصة الوقت المتبقى بعد الفجر وعزمت علي أن لا أخرج مبكرا في القطار وانتظرت بمنزلي أذاكر ساعتين؛ ثم آخذتٌ تاكسياً حتى الجامعة توفيرا للوقت .

وصلت لباب الجامعة وما زالت أوراقى بيدى أُراجع كل صفحه متوقعا أن يأتى الأمتحان فى الماده بأكملها، نظرت الى الساعه لقد تأخرت بضع دقائق أغلقت الكتاب ثم وضعته بجوار المدرج ودخلت وأنا أتعثر فى خُطواتى مرتبكا كعادتى .!

نظر إلىّ المراقبان فى غضب ظهر فى أعينهم ثم اعتذرت فى كلمه مقتضبه ..

دخلتٌ على مقعدي الأول في الصف الأيمن نظرت الى رقم جلوسى المكتوب على المقعد ثم نظرت الى المراقب أحثه على إعطائى ورقة الأسئله اخذت دقات قلبى تتسارع وانا ُتمتم ببضعة أدعيه وآيات قرآنيه.

"إتفضل ورقة الإجابه ..." قال المراقب
"وورقة الأسئلة.....؟؟؟ قلتُ بصوت مبحوح

:"لاتستعجل صبرك بالله حالا" هدأني المراقب .

تمتمت :"كيف لقد مرت عشر دقائق"

كتبت بياناتي على ورقة الأجابه ثم سطرتها ..
أعطانى المراقب ورقة الأسئله لم انظر إليها، قلبتها على وجهها حتى أكمل تسطير ورقة الإجابه ثم أمسكتها وقرأت الأسئله فى لهفه واضحه ثم قفزت عينى بسرعه الى إسم الماده على الورقه هتفت وشفتاى ترتجفان :

"تفاضل وتكامل "...؟!!!

ندت عن صدري زفره ملتهبة إرتجفت يدي فسقط القلم من بين أاصابعى بصوت مسموع، إلتفت لي المراقب الذي يقف بجواري نظرت له مشدوها بضع دقائق إنحنى والتقط القلم ثم ناوله لي " اتفضل.."
لم يلاحظ دمعه تترقرق فى عينى ..!
سألني بحنو :ماذا بك يا ولدى .؟!
فركت عيني بيدي وأنا أقول له :"عذرا أستاذي لقد طُرفت عيناي" ....!!!

الأحد، 12 أبريل 2009

الكلمة التي ألقاها الروائي صنع الله إبراهيم في ختام "مؤتمر الرواية والمدينة"



20 نوفمبر 2003

لست قادرا على مجاراة الدكتور جابر في قدرته على الارتجال ولهذا فقد سطرت بسرعة كلمة قصيرة أعبر فيها عن مشاعري. وصدقوني إذا قلت أني لم أتوقع أبدا هذا التكريم. كما أني لم أسع يوما للحصول عليه. فهناك من هم أجدر مني به. بعضهم لم يعد بيننا، مثل غالب هلسا الأردني وعبد الحكيم قاسم المصري ومطيع دماج اليمني وعبد العزيز مشري السعودي وهاني الراهب السوري… والبعض الآخر ما زال يمتعنا بإبداعه مثل الطاهر وطار وإدوارد الخراط وإبراهيم الكوني ومحمد البساطي وسحر خليفة وبهاء طاهر ورضوى عاشور وحنا مينه وجمال غيطاني وأهداف سويف وإلياس خوري وإبراهيم أصلان وجميل عطية وخيري شلبي وفؤاد التكرلي وخيري الذهبي وكثيرين غيرهم.

لقد جرى اختياري من قبل أساتذة أجلاء ورواد للإبداع يمثلون الأمة التي أصبح حاضرها ومستقبلها في مهب الريح، وعلى رأسهم أستاذي محمود أمين العالم الذي زاملته في السجن وتعلمت على يديه وأيدي رفاقه قيم الوطنية الحقة والعدالة والتقدم.

وهذا الاختيار يثبت أن العمل الجاد المثابر يجد التقدير المناسب دونما حاجة إلى علاقات عامة أو تنازلات مبدئية أو مداهنة للمؤسسة الرسمية التي حرصـتُ دائما على الابتعاد عنها. على أن لهذا الاختيار قيمة أخرى هامة. فهو يمثل تقويما لنهج في الإبداع اشتبك دائما مع الهموم الآنية للفرد والوطن والأمة. إنه قدر الكاتب العربي. فليس بوسعه أن يتجاهل ما يجري من حوله وأن يغض الطرف عن المهانة التي تتعرض لها الأمة من المحيط إلى الخليج، عن القهر والفساد، عن العربية الإسرائيلية والاحتلال الأمريكي، والتواطؤ المزري للأنظمة والحكومات العربية في كل ما يحدث.

في هذه اللحظة التي نجتمع فيها هنا تجتاح القوات الإسرائيلية ما تبقى من الأراضي الفلسطينية وتقتل النساء الحوامل والأطفال وتشرد الآلاف وتنفذ بدقة ومنهجية واضحة خطة لإبادة الشعب الفلسطيني وتهجيره من أرضه.

لكن العواصم العربية تستقبل زعماء إسرائيل بالأحضان، وعلى بعد خطوات أخرى يحتل السفير الأمريكي حيا بأكمله بينما ينتشر جنوده في كل ركن من أركان الوطن الذي كان عربيا. ولا يراودني شك في أن كل مصري هنا يدرك حجم الكارثة المحيقة بوطننا، وهي لا تقتصر على التهديد العسكري الإسرائيلي الفعلي لحدودنا الشرقية ولا على الإملاءات الأمريكية وعلى العجز الذي يتبدى في سياسة حكومتنا الخارجية إنما تمتد إلى كل مناحي حياتنا. لم يعد لدينا مسرح أو سينما أو بحث علمي أو تعليم… لدينا فقط مهرجانات ومؤتمرات… وصندوق أكاذيب… لم تعد لدينا صناعة أو زراعة أو صحة أو عدل… تفشى الفساد والنهب ومن يعترض يتعرض للامتهان والضرب والتعذيب… انتزعت القِلة المستغِلة منا الروح… الواقع مرعب. وفي ظل هذا الواقع لا يستطيع الكاتب أن يغمض عينيه أو يصمت. لا يستطيع أن يتخلى عن مسؤوليته. لن أطالبكم بإصدار بيان يستنكر ويشجب، فلم يعد هذا يجدي، لن أطالبكم بشيء. فأنتم أدرى مني بما يجب عمله.

كل ما أستطيع هو أن أشكر مرة أخرى أساتذتي الأجلاء الذين شرفوني باختياري للجائزة وأعلن اعتذاري عن عدم قبولها لأنها صادرة عن حكومة لا تملك –في نظري- مصداقية منحها وشكرا.

السبت، 11 أبريل 2009

إضراب 6 إبريل المصري.. فشل ونجاح ومكاسب

أحد ملصقات الإضراب
أحد ملصقات الإضراب
-محمد جمال عرفه

لا يختلف اثنان على أن إضراب 6 أبريل 2009 الذي دعا له شباب الإنترنت المصريون، وحاز على مشاركة ما لا يقل عن 75 ألف شاب، نجح داخل الجامعات، ولكنه فشل في الشارع المصري، ولا يختلف اثنان على أن هناك مزايا عديدة لهذه الدعوة للإضراب مع هذا، أقلها التحريك السياسي، وإجبار الحزب الوطني الحاكم على التحرك، ولو من قبيل رد الفعل المضاد على شبكة الإنترنت.

ويجب أن نلحظ بداية أن ما رفعه الداعون للإضراب من دعوات هذه المرة كانت مطالب ضخمة وإستراتيجية المفعول –أي لا تحل في يوم وليلة- ومنوعة، اقتصادية واجتماعية وسياسية، وأن هذه المطالب تعكس مشكلات عميقة في المجتمع المصري كله، وبالتالي من المفترض أن تجتذب كل قطاعات الشعب المصري وكل الفئات.

هذه المطالب (الضخمة) –التي تختلف عن شعار "خليك في البيت" البسيط الذي رفع العام الماضي- غلفت بغلاف "سياسي ليبرالي إلكتروني حديث" بأكثر من تغليفها بغلاف "شعبي" ينزل لأرض الواقع بمطالب محددة على غرار مطالب إضراب 6 أبريل الذي شارك فيه عمال غزل المحلة وحدد فيه العمال مطالبهم في رفع الأجور وخفض الأسعار.

فالداعون للإضراب من الشباب والقوى السياسية على مواقع الإنترنت -خصوصا موقعي فيس بوك ويوتيوب– تحدثوا عن "عملية إفقار منظمة من قبل الدولة للمواطن، وتوزيع غير عادل للثروة القومية التي تحتكرها قلة من رجال الأعمال والمنتفعين بسياسات الحزب الوطني اللاديمقراطي"؛ مما أدى إلى جعل أغلبية المصريين تحت "خط الفقر"، بحسب قولهم.

الشباب قالوا أيضا: إن "المواطن أصبح يحيا في ظل متناقضات كثيرة، فيرى طائرات رجال الأعمال بينما يغرق في عبارة الموت أو يُحرق في قطار الصعيد، ويرى فيلات وقصور مارينا وشرم الشيخ، بينما تنهار فوق رأسه ورأس أبنائه عشش الدويقة".

وقالوا: إن "المواطن يعاني من قلة وندرة فرص العمل، والتي وإن وجدت لا توفر له المتطلبات الأساسية لحياة الإنسان كالمأكل والملبس والمسكن، والحياة بكرامة واطمئنان على مستقبله ومستقبل أبنائه، ويعاني من تدهور واضح في الخدمات الأساسية كالتعليم والصحة وارتفاع تكاليفها مما يحمله طاقات فوق مرتبه البسيط إن وجد".

كل ذلك يدخل في باب الشكاوى والتوصيف لحالة المجتمع المصري ككل، أكثر من كونه مطالب محددة يمكن المطالبة بها في إضراب محدود، كما أن "تضارب" مطالب الشباب التي وردت في أكثر من عشر مجموعات على فيس بوك، وغيرها من المطالب التي وردت على المدونات الشبابية، أوجدت حالة "سيولة قيادية" وغياب جهة أو "رأس" محدد يقود هذا الإضراب، ويضع مطالب واضحة وبسيطة ومحددة من الحكومة.

وزاد من عيوب هذا التحرك نحو الإضراب غياب الرموز السياسية أو القيادة الكاريزمية التي تقود مثل هذه الإضرابات للنجاح، كما حدث في تجارب عالمية أخرى، إما بسبب وفاة بعض هذه القيادات، أو نتيجة للتضييق الأمني، أو بسبب حالة "الإفقار السياسي" التي تنتهجها السلطة منذ فترات طويلة ضد خصومها، والقائمة على ما يمكن تسميته "إقصاء" أي قيادة سياسية وتهميشها بطرق عديدة؛ كي لا تبرز كقيادة شعبية مناوئة.

وحتى إعلان جماعة الإخوان المسلمين مشاركتها في الإضراب هذه المرة لم تكن مشاركة كاملة، بمعنى الخروج في مظاهرات في الشارع بقياداتها أو قيادتها لحملات احتجاج شعبية كما حدث في مرات سابقة، وإنما اقتصر الأمر على المشاركة الشبابية فقط عبر شباب الإنترنت الذين نجحوا في القيام بدورهم في نطاق الجامعات الضيق، ولو بصورة مقيدة ومحدودة بفعل التضييق الأمني والإجهاض المبكر لهذه التحركات عبر اعتقالات بلغت -وفق تقديرات منظمي الإضراب- قرابة 37 شابا وفتاة.

أسباب الفشل

ولكن ما هي الأسباب المباشرة لفشل إضراب 6 أبريل في الشارع المصري؟ واقتصار نجاحه على قرابة تسع جامعات مصرية؟ ولماذا لم ينجح برغم أن هناك معطيات جديدة تشجع نجاحه، أبرزها الأزمة المالية الاقتصادية العالمية، وما أفرزته من عمليات تسريح للعمالة لم تنج منها مصر (مركز تحديث الصناعة قدر عدد المسرحين خلال 2009 بنصف مليون عامل، وهو ما سيرفع البطالة إلى 8.8% بدلا من 8.6%)؟.

الواقع أن هناك مجموعة من العوامل يمكن القول إنها من أبرز معوقات نجاح الإضراب الأخير على النحو التالي:-

1- السبب الأول والرئيسي في فشل الإضراب هو عدم وجود قيادة موحدة (كاريزمية) تقود الإضراب، وتدعو له ويجتمع حولها المصريون، وتحدد مطالب أو أهدافا محددة؛ ما نتج عنه تخبط واضح، وقيام كل فريق بالعمل في جزر منعزلة.. طلاب الجامعات في جامعاتهم.. وقوى سياسية حزبية قامت بوقفات احتجاجية.. ونوبيون يطالبون بمطالب خاصة أمام التليفزيون.. وهكذا.

هذه الظاهرة يطلق عليها د. سيف عبد الفتاح، أستاذ العلوم السياسية بكلية الاقتصاد والعلوم السياسية بجامعة القاهرة، اسم "الشعوبية السياسية"، بمعنى مطالبة كل فئة نقابية أو عمالية بمصالح ذاتية لها فقط، وليس مطالب عامة تمثل أصل المشكلة.

وبرأيه، فإن هذه "الشعوبية" بدأت تأخذ صورة "التقوقع" على الذات، وهو أمر يضر بالعمل العام، بحيث ينكب كل فرد على "أكل عيشه".

والجانب الآخر يوضحه المفكر المصري د. طارق البشري، إذ يؤكد أن هذا الغياب للقيادة القادرة على "التحريك" لا يقود لنجاح التحرك الجماهيري، ويقول البشري في تصريحات لشبكة "إسلام أون لاين.نت": "إن حرب الصراع السياسي الداخلي بين الحاكم والمحكوم تحتاج إلى الوعي.. والوعي موجود ولكنه يحتاج أيضا إلى قوة التحريك والتنظيم، وهذه مفتقدة، والتنظيمات الموجودة غير قادرة على التعبئة والتحريك لكي يكون لها تأثير على السياسات".

ويضيف: "المشكلة أن القوى السياسية غير قادرة على تعبئة الجمهور من ناحية، وعدم سماح الدولة من ناحية أخرى، إضافة إلى الوضع التاريخي والمشاكل التاريخية من الناحية التنظيمية".

2- أدى غياب أو اختفاء هذه القيادة الشعبية الكاريزمية لخلل آخر تمثل في تضارب التصريحات حول طبيعة الإضراب ومطالبه، وعلى سبيل المثال: في حين دعت مجموعات على الفيس بوك للإضراب (بمعني التوقف عن ممارسة أي عمل والتغيب والوقفات الاحتجاجية)، دعا سياسيون آخرون لمظاهرات في عدة مناطق، وقال أحمد ماهر منسق حركة 6 أبريل: "إن اليوم هو بالأساس يوم للغضب، أي للتعبير عن الغضب على الأوضاع بأي شكل متاح، وليس للإضراب بشكل رئيسي". وعلى حين ركز طلاب الجامعات عموما على تخفيض نفقات الجامعة التي ألغيت مجانيتها تقريبا، ركز طلاب الإخوان على مطالب الحريات، وركز نشطاء أحزاب العمل وكفاية والغد والكرامة على مطالب سياسية في صورة "إعلان القاهرة" الذي صدر بعنوان "حان وقت التغيير"، ويطالب بإطلاق الحريات السياسية وإلغاء جميع القيود المفروضة عليها.

3- الداعون للإضراب بشكل أساسي هم شباب الإنترنت فقط (12% من المصريين يستخدمون الإنترنت)، بجانب بعض القوى السياسية المستضعفة، وهذا شكل حلقة ضعف في توصيل دعوة الإضراب، وعززه وجود فاصل طبيعي بين شباب الإنترنت وغالبية الشعب.

4- عدم وضوح المطالب الشعبية في الإضراب كما حدث في العام الماضي عندما شارك عمال قدموا مطالب محددة برفع أجورهم وخفض أسعار السلع، كما أن الانخفاض الكبير في بعض أسعار السلع الأساسية هذا العام 2009 –مقارنة بـ 2008- بنسبة تتراوح بين 25% و40% ساعد في إضعاف الإضراب هذه المرة.

وهذا الأمر (أي حدوث حالة من الرضا عند الكثير من الأغلبية الصامتة بعد زيادة المرتبات والانخفاض النسبي للأسعار) اعتبره المهندس هيثم أبو خليل، مدير مركز ضحايا حقوق الإنسان، أحد ثلاثة أسباب أفشلت الإضراب بجانب "تخاذل جميع القوى السياسية الموجودة، وعدم الالتفاف حول مجموعة 6 أبريل ودعمها وترشيد خطابها خوفا من عصا النظام، أو طمعا في الجزرة مستقبلا"، و"تعلم النظام الدرس من الإضراب السابق بتسكين بؤر الصراع في الكثير من المؤسسات والمصانع والشركات".

6- الإضراب الأخير لم يكن أيضا يرفع –ولم تواكبه- بشكل أساسي مطالب شعبية ملحة ضاغطة، مثل خفض الأسعار، أو محاربة الغلاء، كما حدث في إضراب أبريل الماضي عندما كانت الساحة مشتعلة ومهيأة للغضب والخروج للشارع، خصوصا في مصانع المحلة الكبرى، ولذلك انشغل عنه غالبية المصريين بالبحث عن لقمة العيش، وابتعدوا عن "ترف" الإضراب الذي لا يتصل بتهديد لقمة عيشهم بشكل مباشر.

7- من أبرز عوامل فشل أو إفشال وإجهاض الإضراب، ذاك الترهيب الأمني الذي لم يقتصر على اعتقال أبرز نشطاء الإنترنت، وإنما امتد لاعتقال 7 طالبات وسيدات بغرض الردع الأمني، وبعث رسالة إجهاض مبكرة للمنظمين، وللذين قد يشاركون في الإضراب، فضلا عن الالتحام الأمني، وضرب طلبة في جامعة عين شمس ونشر قوات أمنية ضخمة، وتحذيرات مدير الأمن بعدم السماح بأي مظاهرات.

مزايا للإضراب

ولكن هل معنى ذلك أن الإضراب الأخير (أبريل 2009)، والإضرابات الأخرى التي شهدتها مصر مؤخرا لم يكن لها أي فائدة أو مردود إيجابي أو مزايا؟.

الواقع أن الإضرابات لعبت دورا فعليا في التوعية والتعريف بثقافة الإضراب بشكل عام، والإضرابات أو المظاهرات التي خرجت من قبل خرجت من الإنترنت بشكل أساسي، والذي تحول منذ عام 2005 إلى ما يشبه "وكالة أنباء" بالصوت والصورة تنشر الأخبار والبيانات، وصور وفيديوهات الأحداث مباشرة، بحيث يمكن القول إن هناك دورا متزايدا لشباب الإنترنت في تشكيل وعي الشعب، ونشر ثقافة الاحتجاج بين المصريين.

وإذا كان الإضراب أو الاحتجاج العام هو حركة أمة بأسرها، ولا يرتبط بتنظيم بعينه، أو بقوى سياسية معينة لديها رصيد لدى الشارع السياسي، وينجح إذا شاركت فيه الأمة وكل القوى؛ فالأهم هنا –كما يقول د. سيف عبد الفتاح–: "تربية الناس والجماهير على أن تقوم بعمل احتجاجي منظم تستطيع من خلاله أن تعبر عن رؤاها ورؤيتها الحقيقية حيال انسداد الواقع السياسي والواقع المعيشي المر"، وهو دور تلعبه قوى تثقيفية، ومنظمات مجتمع مدني، وشباب الإنترنت والأحزاب، وأي قوى أخرى، أي إن نجاح أي إضراب يحتاج لنوع من التدريب والثقافة والتربية.

أيضا من مزايا هذه الإضرابات التي يمكن رصدها أنها تدفع باتجاه المزيد من الترابط بين الفضائين (الإنترنت والواقع)، بنزول الشباب للشارع، وتوزيع منشورات، وكتابة شعارات الإضراب على صناديق القمامة وعلى الجدران بعدما كانت الدعوات السابقة تقتصر على فضاء الإنترنت فقط.

ومن مزاياه الأخرى أن قيادة شباب الإنترنت للإضراب استحثت قوى سياسية وحزبية نائمة، ودفعتها للتحرك وممارسة دور، ودفعت قوى أخرى كالإخوان للسعي للاستفادة من حركة الشارع في توسيع نفوذها.

والأهم أن الإضراب حرك الحزب الوطني الحاكم ودفعه للنشاط بدلا من الخمول، والتفاعل مع حركة الشباب المعارض، ولو بعقلية أمنية –حسبما يقول عبد الحليم قنديل منسق حركة كفاية– على غرار تعامل الأمن بالعنف مع المتظاهرين، والهجوم الإلكتروني على منظمي الإضراب وتوجيه الاتهامات والسخرية منهم.

وقد ظهر هذا في لعب مناصري الحزب الحاكم في مصر دورا على ساحة موقع "فيس بوك"، بـ"حرب مجموعات" حامية الوطيس ضد أنصار الإضراب؛ حيث دشن شباب الحزب الوطني الحاكم عدة "مجموعات" لمواجهة دعوة إضراب 6 أبريل بعناوين هجومية مثل مجموعات: "طز في إضراب 6 أبريل"، و"بلطجة شباب 6 أبريل ووهم التغيير"، و"يا مخربي 6 أبريل انتظروا الصاع بعشرة"، و"آن الوقت لنعمل من أجل مصر".

وشكلت اتهامات التخريب والعمالة قاسما مشتركا في كل مجموعات مناصري الحزب الوطني، مثل القول: "هؤلاء يجندون شباب الجامعات المغيب، والذي يمتلك كثيرا من الطاقة والفراغ وقلة المعرفة ليعملوا كمخربين لصالح كبرائهم باسم التغيير".

ومع هذا فقد أثمرت المنافسة بين الطرفين في إطلاق الحزب الوطني حملة بعنوان: "عطاء الشباب" لمدة أسبوعين، وعلى مرحلتين تشمل كل واحدة منها 14 محافظة؛ بهدف تحقيق التضامن الاجتماعي، وإزكاء روح الانتماء الوطني للشباب، وتأكيد عنصر الإبداع والتجديد لديهم من خلال فتح الأبواب الواسعة أمام أنشطتهم التطوعية التي تهدف إلى الإصلاح والبناء".

وبالتالي إضراب 6 أبريل يمكن النظر له وفقا لمداخل متعددة؛ فهو فاشل لو حسب كحركة شعبية في الشارع، وناجح لو نظرنا له كحركة احتجاجية شبابية داخل الجامعة، ومفيد لو اعتبرناه أحد نماذج التثقيف الشعبي بثقافة الإضراب والمطالبة بالحقوق الأساسية، فضلا عن أهميته في تنمية الوعي بالإضراب، ودفع الحزب الحاكم والساحة العامة باتجاه حراك سياسي.