السبت، 19 سبتمبر، 2009

التدين المغشوش- عمرو الشوبكي

من الصعب أن نجد شعباً آخر فى العالم استوفى كل مظاهر التدين الشكلى مثلما فعل الشعب المصرى فى العقود الثلاثة الأخيرة، ومن الصعب أن نجد كلاماً فى الدين داخل أى مجتمع فى العالم مثل ما يجرى فى مصر، ومع ذلك فإن هذا «الصخب الدينى» لم يثمر عن حالة تقدم واحدة فى أى مجال حتى الجوانب الأخلاقية، التى لم يجد الدعاة الجدد أموراً غيرها للتحدث فيها ظلت مجرد كلام على الهواء، أما الواقع فقد شهد أسوأانحدار أخلاقى عرفته مصر منذ عقود فى مفارقة صارخة.

والمؤكد أن شهر رمضان الكريم الذى عاشه جيلى باعتباره شهر التعبد والتراحم وقدر من الترفيه، تحول إلى حالة صاخبة تنافس فيها الجميع على بث كل ما هو غث وردىء، فلأول مرة فى تاريخ مصر «أو فى أى دولة فى العالم» يبث فيها فى شهر واحد ما يقرب من ٦٠ مسلسلاً يستحيل على أى مشاهد إذا بقى أمام التليفزيون ٢٤ ساعة دون نوم أو عمل أن يشاهد ربعها.

المدهش أن شكوى بعض الكتاب الإسلاميين فى الماضى من أن وجود المسلسلات كان من أجل منع الناس من الذهاب للمسجد للصلاة، لم يعد له أساس حالياً، لأن جمهور الاثنين أصبح فى معظمه واحداً، ومستمعى خطاب الدعاة الجدد و«مسلسل» موسى وفرعون وكل القصص التمثيلية الساذجة هم أنفسهم تقريباً جمهور المسلسلات ومتابعى البرامج الحوارية الهابطة، التى حرصت بعبقرية تحسد عليها على اختيار كل البلهاء أو الخارجين عن القانون حتى يعملوا «شو إعلامى» ويجذبوا اهتمام الناس.

لقد أنفق المصريون البسطاء مئات الملايين من الجنيهات على «بيزنس الدعاة الجدد»، الذين بثوا ثقافة جديدة فى عقولهم بتواطؤ حكومى واضح من أجل إلهائهم عن الاهتمام بالقضايا العامة، خاصة السياسية، فيحدثون الناس كل يوم حول مبادئ الدين وقيم الإسلام، فى حين أن الذى يجرى فى الواقع هو عكس ما يقولونه، حيث قل الإنتاج وزاد الفساد والكذب وجرائم القتل، وانتشر التحرش الجنسى، وملأت القمامة شوارع مصر «رغم أن النظافة من الإيمان» وانهار الأداء العام.

لا أتصور أن هناك مجتمعاً طبيعياً أو صحياً فى العالم يعيش على الفتاوى الدينية، ويتنفس ثقافة الحلال والحرام مثل مصر، ومع ذلك يمارس فى واقعه اليومى عكس ما يسمعه أو ما يتمسك به من مظاهر وصور دينية، فالواقع يقول إن الحديث اليومى فى الدين لم يجعلنا حقيقة متدينين، فمعظم الموظفين يتوقفون عن العمل ساعة صلاة الظهر، وفى الوقت نفسه زادت الرشوة وأصبحت لغة التعامل الرسمى بين المواطن وموظف الحكومة، وقل الإنتاج وغابت الجودة وقيم الإبداع.

لم تكن كل هذه المظاهر موجودة فى السابق، وكان المجتمع يعرف علماء حقيقيين وليس دعاة جدداً وهميين، فهل يتذكر بعضنا أسماء مثل محمود شلتوت والباقورى وعبدالحليم محمود ومحمد الغزالى، وهل نعرف كم هى منخفضة وأحياناً معدومة المساحة المعطاة فى الإعلام الحكومى والخاص لكل من يوسف القرضاوى، ومحمد سليم العوا ومن هم على شاكلتهم، خاصة إذا قارناها بالسماوات المفتوحة أمام «بيزنس الدعاة الجدد»، هل نعرف معنى أن تكون عالما، والقيم التى يمكن أن تبثها فى المجتمع، ومع ذلك أو نتيجة ذلك غابوا أو غيبوا عن الساحة الإعلامية حتى نسهل دخول المجتمع فى غيبوبة التسطيح والتبلد.

إن «الرجل المتدين» فى مصر كان عادة هو ذلك الرجل المثقف المنفتح على الحياة، المحب للعلم والتعلم، ولم يكن الدين بديلاً لأى قيمة إيجابية أخلاقية أو سياسية، إنما على العكس كان محفزاً للعمل والسلوك الطيب والاهتمام بالشأن العام، إلى أن تغيرت الحال وأصبح التدين بديلاً عن كل القيم الإيجابية.

فلم يفرق مع هؤلاء الصائمين المصلين أن تمتلئ محافظة الجيزة بالقمامة لمدة ما يقرب من شهر، لم يستفزهم المظهر ولا الرائحة ولا الأوبئة رغم أنهم يدعون أنهم متدينون، فأى نوع هذا من التدين؟ وأى غش وانفصام فى الشخصية أصاب مجتمعنا؟!

إن «انتفاضة» بعض قادة وزارة الداخلية وحماسهم اللافت فى مطاردة القلة الفاطرة فى رمضان ومحاولة إثبات أنه أمر قانونى، يعبر عن خلل حقيقى أصاب مجتمعنا ومسؤوليه على السواء، والسؤال لماذا فقط هذا المشهد هو الذى استفز قادة أجهزة الأمن، لماذا لا يستفزهم قتلى حوادث الطرق والرشوة التى يحصل عليها رجال المرور فى الشهر الكريم وتعذيب المواطنين فى أقسام الشرطة وتقاعس الأمن المتعمد عن تنفيذ أحكام القضاة وفض المشاجرات والجرائم التى تحدث أمام أعين البعض، لماذا لا ينتفضون فى مواجهة هذه الجرائم؟ ونجدهم يتحركون بهذا الحماس فى مواجهة فقط هؤلاء المفطرين المستفزين؟

هذه هى تجليات ثقافة التدين الجديد، فكما فى السياسة أنتج الحكم «الفكر الجديد»، ففى الدين أنتج أيضاً التدين الشكلى والمغشوش لمجتمع يسير بخطى ثابتة نحو الغيبوبة الكاملة.

لقد تصور كثير منا أن انتصار الإسلام يقف عند حدود نجاح الدعاة الجدد فى دفع الفتيات فى سن المراهقة إلى ارتداء الحجاب، ونسوا أو تناسوا أن النجاح الحقيقى هو فى تغيير قيم هؤلاء الفتيات، والنجاح فى مواجهة آفة أو مشكلة اجتماعية واحدة فى حى أو مدينة، فلم نجد حملة للنظافة ناجحة وحقيقية باسم الدين ولا أخرى ضد الرشوة والفساد، ولا ثالثة ضد التحرش الجنسى، ولا رابعة ضد الطائفية، ولا خامسة ضد التمييز والقهر، وهى كلها قيم لا تدعو للنضال أو الإصلاح السياسى، ومع ذلك لم يفعلوها، وإذا تحدث عنها بعضهم، فهذا جزء من «أكل العيش» أى الكلام الذى يردد فى الإعلام لإبراء الذمة ويعلمون كما نعلم جميعاً أنه لن يكون له أى مردود على أرض الواقع.

ألا يدفعنا هذا المشهد إلى التفكير بأن هناك على الأقل خللاً وتناقضاً بين كل هذه الظواهر؟ ومتى نستطيع أن نخرج من أسر تحالف المسلسلات والدعاة الجدد، لأن جمهور الاثنين أصبح واحداً، ولم يعد جمهور الداعية «نيو لوك» يختلف عن جمهور جلسة «الفرفشة» أمام التليفزيون أو فى خيمة رمضانية فكلاهما واحد ضحية نفس الثقافة ونفس الإعلام.

إننا نعيش بلا أدنى شك عصر التدين المغشوش الذى تاجر به البعض، وغيب عقل البعض الآخر، وأراح البعض الثالث «بالنضال السياسى» غير المكلف عن طريق الدعاء والصلاة، وشاهدنا تديناً لا هو أنتج ثورة كما فى إيران، ولا حزباً أصبح جزءاً من الحداثة والديمقراطية كما فى تركيا مع حكم حزب العدالة والتنمية، ولا مشروعاً حضارياً وسياسياً حول بلد مثل ماليزيا فى عشرين عاماً من التخلف إلى واحد من أهم اقتصاديات العالم، فهنيئاً لنا تديننا المغشوش وغيبوبتنا التى نتمنى لو طالت ألا تتحول إلى موات نهائى.

السبت، 5 سبتمبر، 2009

المتدينون الجدد من الـ"تيك أواي" إلى الـ"وان كليك"

أحمد زين - إسلام أون لاين

أصبحت حساسًّا جدًّا إزاء من يظهرون على شاشات التلفاز أو يكتبون في الصحف عن الأجيال الجديدة، ويصفون ثقافتها بالـtake away؛ لأن هذا الوصف ربما يصدق على جيل الشباب في ثمانينيات القرن الماضي، أما أجيال اليوم فقد تجاوزت هذا الوصف، وأجد الأليق بنا أن نقول: إنهم أصحاب ثقافة one click بتسرعها وقرارها المباغت وعدم القدرة على التراجع.

ولو عقدنا مقارنة سريعة بين الوصفين نجد الأول لا يزال يتعامل مع منطق التلقي، وهو منطق قديم جدا، وتبعا للتيك أواي فإن كل ما طرأ على هذا المنطق هو التلقي المتعجل دائمًا، المرتبك غالبا، لكن الوصف المقترح يقترب من الحقيقة من حيث كراهية الأجيال الشابة للتلقي وميلها إلى الاشتباك والتفاعل واتخاذ القرار.

معالم التدين الجديد

انسحب هذا التغيير بطبيعة الحال على الإسلاميين الجدد، فإذا ركزنا على المجتمع المصري كمثال؛ فسنجد تغيرًا يُلحَظ في المجتمع المصري -ربما منذ 1998م- في خريطة التدين به، فثمة انتقال لثقل التدين نحو طبقات أعلى اجتماعيًّا واقتصاديًّا وأقوى وأكثر تأثيرًا.

نما التدين في الثمانينيات وأوائل التسعينيات وانتشر في الأساس وسط طبقة الجامعيين والمهنيين، وهي طبقة مهمة ومؤثرة، بحكم عددها الكبير، وهذه الطبقة أكثر ميلا للطبيعة "الريفية" حتى إن سكنت المدن.

لكن في العقد الذي نعيشه برزت مظاهر التدين وسط طبقات أكثر ثراءً، أو بشكل أدق: الطبقات "الأكثر ثراءً".. مجتمعات "مارينا" التي غزاها الحجاب، ومساجد النوادي الراقية (الشمس والصيد وسبورتنج) التي امتلأت بجمهور كان قد تعود على ارتياد أماكن اللهو، وقد نشر هذا الجمهور في أنديته صلاة القيام والدروس الدينية، وشهدت الجامعة الأمريكية -وهي مكان نخبة النخبة ماديا في مصر- صعودًا لتيار إسلامي متعدد الوجهات والاتجاهات.

فما هي أهم الفروق بين إسلاميي 2000 وإسلاميي 1980؟


معالم جيل الثمانينيات



الأستاذ وجدي غنيم

إسلاميو الثمانينيات شريحة متشابهة كثيرًا، هي شريحة ريفية كما ذكرتُ من قبل، وهي ليست من "الفلاحين" حقيقة حتى إن سكنت الريف، فهم من "الأساتذة" بحسب التعبير الريفي الذي تطور من تعبير قديم هو "الأفندية".

وهي شريحة صاعدة اجتماعيًّا؛ إذ إن الصعود الاجتماعي آنذاك كان لا يزال يرتبط بالتعليم، تعلمت هذه الشريحة أفضل تعليم متاح آنذاك، حصل بعضهم على الماجستير والدكتوراة.

نشأت هذه الشريحة في ظل انتشار المد السلفي الهادئ؛ وهو ما أدى إلى خوف هذا الجيل من الاجتهاد الحر المفتوح، وإثارة الجدل حول قضايا مثل الموسيقى، والمشاركة في الانتخابات البرلمانية، وتهنئة النصارى بأعيادهم.

كل هذه العوامل حدت من أفق الاجتهاد، وأحيانًا حدت من أفق الإعلان عن هذا الاجتهاد، خاصة في ظل جمهور تتنافس عليه الحركات، هذا الجمهور بطبعه يميل إلى الأفكار والدعاة المتشددين، حتى لو لم يتبنَّ عمليًّا آراءهم.

ربما يكون من المفيد هنا أن نرصد تأثير أحد أبرز دعاة هذا الجيل، وهو الشيخ وجدي غنيم الذي أراه مسئولاً عن سيادة نمط اجتماعي معين في أوساط إسلاميي الثمانينيات والتسعينيات من خلال السلسلة المشهورة التي أتصور أن ملايين قد تشربوها، وهي "السلوكيات"، سلوك المسلم الملتزم (في الفرح- في الجنازة - في الزيارة - كطالب - كمدرس- كجندي... إلخ).

أتصور أن جزءًا كبيرًا من نجاح هذه السلسلة وتأثيراتها البالغة يكمن في أنها استطاعت سد فراغ في العلاقات الاجتماعية لطبقة ناشئة، قادمة غالبًا من الأرياف إلى المدن، فهي ليست منتمية إلى قيم الريف مائة بالمائة، لكنها أيضًا ليست منتمية إلى المدينة بشكل محسوم، فهي تتطلع إلى قيم اجتماعية أخرى مختلفة عن قيمها الريفية التي لا تناسب تحولاتهم التدينية، كما أنهم يرغبون في قيم اجتماعية مختلفة عن القيم السائدة في المدينة.

وفي ظل هذين العاملين أعني (الحراك الاجتماعي - عدم الرضا عن السلوك الاجتماعي السائد) كان سهلاً على أي توجيه عملي قائم على اختيار فقهي، أن يصبح "قواعد السلوك الإسلامية" وأن يتحول إلى مرجعية، وأن تتاح له فرصة انتشار واسعة.

تكريس نمطي للعلاقات الاجتماعية


كما أن تنميط القواعد الاجتماعية واعتبار أن هناك مثالاً ونموذجًا، بالإضافة إلى تحقير الآراء المخالفة -ولو من باب المزاح الذي يتميز به الشيخ وجدي- كل هذا أحاط هذه "النماذج" و"الاختيارات الفقهية" بكثير من التقدير.

وعلى سبيل المثال فإن مفهوم عزل الرجل عن المرأة في الزيارات الاجتماعية قد اكتسح سلوكيات الأفراد، على الرغم من أن داعيًا كبيرًا بحجم مرشد الإخوان عمر التلمساني كان قد أصدر كتاب "المرأة ومكانتها السامية" قد سخر فيه من هذا المفهوم، وأثبت بأحاديث صحاح أن المرأة يمكن أن تقدم لضيوف زوجها واجب الضيافة، وحمل بشدة على موجبي النقاب على المرأة، ومع ذلك لم يُكتَب لهذا الرأي الذيوع في مواجهة الكاريزما غير العادية للشيخ وجدي، وفي ظل الضغوط الشديدة للتيارات السلفية على متديني الثمانينيات.


ملامح الإسلاميين الجدد


ربما يبدو التوصيف السابق لهذا الجيل مختصرًا جدًّا إلى درجة الإخلال، لكني أعتقد أنه مفيد للمقارنة التي أحب أن أعقدها، فعناصر التدين الجديد مختلفة كثيرًا عن سابقاتها.

هذه الموجات الجديدة من الإسلاميين مختلفة في تعليمها، فقد تلقت تعليمًا أفضل بحكم أنه خاص وأحيانا أجنبي، فهناك لغة أخرى يتقنها هذا الجيل غالبًا يستطيع أن يتواصل بها مع العالم من حوله، هذا التعليم أيضا يوفر له -غالبًا- وظيفة جيدة مرموقة، وهذا التعليم يختار هو تخصصه فيه، ليس مدفوعًا إليه، فهو ليس ابن الأسرة المتوسطة التي تطمح إلى الارتقاء عن طريق ابنها الذي سيلتحق بالطب أو الهندسة؛ فالشهادة بالنسبة له ليست فرصة خلاص ونجاة، بل هي ممارسة لما يحب؛ لذا فإن ثمة تنوعًا في تخصصات هذا الجيل المتدين الجديد، جيل 2000، ربما أيضًا بحكم ظهور تخصصات جديدة، لم تكن موجودة أو لم تكن موجودة بهذه القوة مثل إدارة الأعمال، العمل في مجال الاتصالات والإنترنت، ومجالات الإعلام والفنون كذلك.

تعليم هذه الفئة لا يقوم على التلقين أو الاستظهار، لكنه في الأغلب يقوم على التساؤل والاكتشاف، بما يؤثر على عقليته وينجو بها من فخ التسليم والتصديق الدائمين.

هذا الجيل اجتماعيًّا لديه رصيد كبير من التحدي، يمكنه أحيانًا أن يقف أمام والده أو والدته أو أي كبير، ويناديه باسمه بلا ألقاب، جيل يمكنه أن ينقد سلوك والديه أو معلمه ببساطة، ويستطيع أن يصرخ في وجهه: أنا غير مقتنع.. أو أن ينتهي "الخلاف" بلا حل، وأن يعطي كل منهما الآخر ظهره ويمضي في طريقه.

هذا الجيل لا يسمع عن الجنس الآخر ولا يأخذ تصوراته من خلال "إخوانه ومربيه" بل هو يعرف الجنس الآخر بالفعل، يتعامل معه في إطار النادي والعائلة والجيرة والدراسة، ولا يعتقد أن كل لقاء بين الجنسين هو لقاء تحوطه الشهوات وتغلفه خائنة الأعين، بل هو يفرق وبوضوح بين لقاء من هذا النوع ولقاء بريء وطبيعي جدًّا مع ابنة خالته أو زميلته في العمل أو جارته، فلا مجال لأن توضع له قضية في إطار مبالغ فيه، وبالتالي فلا مجال لأن يستورد أحكامًا وانطباعات، فضلاً عن أن يصدِّر له أحد أسلوبا وطريقة للتعامل مع الجنس الآخر، بل يتعامل بطبيعية وتلقائية، وقواعد هذا التعامل مستقرة وواضحة بالنسبة له ولمجتمعه، وبالتالي لم يكن عسيرًا عليه أن يكيف هذا الأمر مع ما آمن به من مبادئ وقيم إسلامية.

ما بين وجدي وعمرو



الأستاذ عمرو خالد

وإذا كنا قد ذكرنا التأثيرات الواسعة للشيخ وجدي غنيم وهو داعية الثمانينيات، فأتصور أن الفارق واضح بينه وبين عمرو خالد في التَّمَاس الخفيف الذي قام به الأخير مع الشق الاجتماعي، على عكس الأول الذي حدد بدقة تفاصيل السلوك الاجتماعي لجيل 80.

وأنا أرجع ذلك لإدراك عمرو أنه ليس ثمة فراغ اجتماعي يمكن لأحد أن يسده، بل على العكس "عمرو خالد" 2000 هو من هذا الوسط، الذي يذهب للنادي ويختلط مع فتيات عائلته، فهو لن يقدم وجهة نظر مثالية أو متخيَّلة، بل على العكس، سيقدم وجهة نظر واقعية تحاول أن تتحرك بالواقع بعض الشيء، لا أن تتجاوزه وتتخطاه، فليس ثمة فراغ اجتماعي، بل هو مجرد التعديل على النمط، فلا مشكلة أن تتحدث الفتاة في التليفون مع ابن عمها، ولا مانع أن ترافقه إلى عمل أو زيارة، ولا مشكلة أن يتصلا ببعضهما لترتيب زيارة إلى ملجأ أو رحلة جماعية مع بعض المسنين، أو ينزلا في سيارة أحدهما لشراء احتياجات هذه الرحلة، وهذا ما يمكن أن يفسر ابتعاد عمرو خالد عن هذه المساحة، وعدم محاولة أن يتدخل في مساحة لن يستجيب له أحد فيها؛ فالجانب الاجتماعي والفقهي سيتعرض لحراك كبير داخل الحركة تأثرًا بهذا الجيل الجديد.

الإسلاميون الجدد وعلاقتهم بالدولة


هذا الجيل مختلف في علاقته بالدولة، فهي علاقة مركبة جدًّا، فقد تفتَّح وعي شباب 2000 على هدوء نسبي من الحركات العنيفة والمتبنية لفكر المفاصلة مع المجتمع، وتفتَّح أيضًا على ثقة من الدولة في ذاتها وقدراتها، جعلها أهدأ في التعامل مع الظاهرة الدينية، فلم يعد هذا الشاب يسمع كل يوم عن اعتقالات للمصلين في الفجر، أو حروب شوارع بين الدولة والجماعات الإسلامية، ولم يعد التلفزيون الرسمي يظهر المتدين بالصورة الساذجة التي تلمز الدين وقيمه، بل ظهرت المحجبات في الأعمال الدرامية وانتشرت فيه البرامج الدينية حتى في أوقات ذروة المشاهدة، ووصل الأمر إلى أن تكون البرامج الدينية من السهرات الأساسية (نور على نور، ورب اشرح لي صدري).

إذن فهذا الجيل ليس في حالة عداء مع الدولة بشكل ما، وقد أفرزت هذه الحالة عددًا من الظواهر، منها: أن السفر لم يعد -كأجيال سابقة- هو هاجسه الأوحد والكبير، فهو يسعى لتحقيق ذاته على أرضه، وهو في ذات الوقت لا يلتصق ببلده التصاقًا مريضًا لا يتعدى الشعارات.

ربما ساعده على ذلك أنه بعيد عن القبضة الحكومية، فهو لا يحلم بالعمل الحكومي، ولا يتمرغ في تراب الميري، بل يتجاوزه ويركله بمنتهى السهولة، له شركات خاصة ولو بسيطة، يشارك في محلات التليفون المحمول، ويبيع أجهزة الكمبيوتر أو الملابس الشبابية (أظهر استطلاع رأي بين شريحة شبابية مصرية من 4 آلاف شاب أن 9% يرغب في العمل بالحكومة و15% في القطاع الخاص، و30% في عمل خاص له).

ولأن هذا الجيل لا يقرأ الجرائد غالبًا، فقد استقل بثقافته وكونها بنفسه عن طريق كم هائل من الفضائيات أو مواقع الإنترنت.

لا يحلم كثيرًا بالهجرة إلى الخارج؛ فالرفاهية متحققة بالفعل داخل وطنه: المصيف، السيارة، الموبيل، الإنترنت، الأصدقاء... إلخ.

الملامح الدعوية للإسلاميين الجدد


كما أن هذا الجيل مختلف دعويًّا، فمع انتشار التدين ومظاهره لم تعد هناك حاجة لمفاصلة مع المجتمع؛ ببساطة لأنه لا يرى لنفسه تميزًا عن أقرانه؛ لأن المجتمع من حوله في 2000 أقرب للتدين ومظاهره من مجتمع 1980، الشاب المنتمي لا يجد نفسه "داعية" سيغير وجه العالم، بقدر ما يجد أحلامه أبسط، وغاياته أقرب.

ولأنه لا يخاف من الدولة ولا يجد في التدين خروجًا عنها، فهو يدافع عما يعتقد دون الإحساس ببطحة على رأسه، جيل يملك الاختيار، ربما بفعل تعدد الخيارات أمامه، ويتحكم في أوضاعه ويغير عمله بسهولة، هذا الجيل انطلق في حياته يريد أن يخدم الأفكار التي آمن بها، وينشر الآراء التي تبناها.

ساعده في ذلك انفراجة في الحريات، وسمحت بها وفرة وسائل الاتصال الحديثة، فضائيات وإنترنت، البعض عمل في هذه الفضائيات وفي مواقع النت وفي غيرها، وحاول كل منهم بجهد فردي الاجتهاد في العمل وإتقانه، وانطلق آخرون نحو عمل اجتماعي شبابي لا يقول: نحن إسلاميون، بل ينخرط فيه الجميع، محجبات وغير محجبات، متمسكون بالصلاة أو غير ذلك، ولم يجعل هدفه التغيير الكامل لهؤلاء الأفراد، ولكن التعاون على أهداف بعينها: زيارة لملجأ أو المشاركة في إنشاء مستشفى أو غير ذلك.

والغريب أن تحقق هذه المبادرات "الفردية" نجاحًا كبيرًا، رغم أن الشائع في أدبيات الحركة أن الفردية لا تصنع شيئًا، لكن ثبت أن "الفردية" التي تتحول إلى جماعية بعد ذلك يمكن أن تحقق شيئًا.

لقد صرنا نسمع عن هذا الشاب الذي استعمل الشات في دعوة غير المسلمين وأسلم على يديه عدد من هنا ومن هناك، ولا يزال يتابعه ويواليه بالمواد الإسلامية وغيرها عبر النت، وهذا الذي نسمع يؤيد أن الفردية الخالصة (قوائم بريدية، إنشاء موقع على الإنترنت، إلقاء محاضرات، عمل دار لتحفيظ القرآن... إلخ)، كل هذه الأعمال التي كان ينظر إليها باستخفاف؛ لأنها لا تتواءم مع "شمولية" الإسلام أثبتت نجاحًا وديناميكية على أرض الواقع. (لاحظ أن أشد ظواهر هذا الجيل جاءت من تجربة فردية بحتة، عمرو خالد).

إن "الواجبات الدعوية" حاضرة بنسب متفاوتة في هذا الجيل دون تخوف من ملاحقات أمنية، بل ودون تصور لها عند البعض، إنه يقوم بواجب دعوي غير منظم، وبالتالي فهو يتحرك بحريته ودون خوف أو ترقب، وهو ليس عملاً فرديًّا خالصًا، إنما هو أيضًا عمل جماعي، لكنه "جزئي"، يتفق فيه المجموع على هدف واحد.

ماذا في الأفق؟

رغم أنه سؤال تقليدي غالبًا، لكنني أجد نفسي مضطرًا لطرحه، دون أن أعد أن تكون لدي إجابات، لكن ذلك لا يمنع من طرح عدد من التساؤلات الأخرى التي يمكن أن تساهم في إجابة هذا السؤال، منها على سبيل المثال:

هل ينتبه هذا الجيل من المتدينين الجدد لمحاولة التعمق والصقل لينطلق بحماسه ومواهبه على أرض صلبة من المعارف والعلوم الإسلامية؟ أم هل يكون ضحية السطحية التي تؤدي به بالتأكيد إلى أحد طريقين، إما: للتشدد والعنف، أو الملل من التدين والالتزام؟

وهل سنشهد تجسيرًا للعلاقات بين الجيلين اللذين قارنًّا بينهما احتكاكًا واشتباكًا ونقلاً للخبرات والمعارف؟

وهل سيكون من هؤلاء الشباب من يستطيع أن يقوم بعمل مؤسسي ضخم يحاول أن يضم هذه الجهود كيلا تكون قنابل دخان زاهية في سمائنا تدخل السرور على قلوبنا لكنها لا تلبث أن تتلاشى؟

وهل ستكون حداثة هؤلاء الشباب في خدمة هويتهم أم تصب في مزيد من التغريب والذوبان في العالم المتسع؟

ربما يتسع لنا المقام لاحقًا لمناقشة هذه الأفكار.


كاتب وصحفي مصري

هو وجدي عبد الحميد محمد غنيم، ولد في 8 فبراير عام 1951.

- بكالوريوس التجارة شعبة إدارة أعمال من جامعة الإسكندرية عام 1973.

- إجازة حفص عن عاصم من معهد قراءات الإسكندرية الأزهري.

- عالية القراءات من معهد قراءات الإسكندرية الأزهري.

- دبلوم عالٍ في الدراسات الإسلامية من كلية الدراسات الإسلامية بالقاهرة.

- تمهيدي ماجستير من كلية الدراسات الإسلامية بالقاهرة.

- انتخب أمينًا عامًّا لنقابة التجاريين بالإسكندرية، وأمينًا عامًّا لشعبة المحاسبة والمراجعة بالنقابة العامة للتجاريين بالقاهرة.

- وهو حاليًّا يعمل بمجال الدعوة بالولايات المتحدة الأمريكية، منذ ما يقرب من عامين، وهو إمام مسجد الأنصار، لوس أنجلوس – كاليفورنيا.

هو الأستاذ عمرو خالد، من مواليد 5 سبتمبر عام 1967، بمدينة الإسكندرية - مصر.

- دبلوم في الدراسات الإسلامية - معهد الدراسات الإسلامية - القاهرة - سنة 2001.
- يحضر لدراسة الدكتوراه في السيرة النبوية من جامعة ويلز - إنجلترا.
- حاصل على بكالوريوس تجارة - القاهرة - سنة 1988، ويعمل كمراجع حسابات، وشريك بمكتب مراجعة. وهو عضو بجمعية المحاسبين والمراجعين المصرية.