الأحد، 12 أبريل، 2009

الكلمة التي ألقاها الروائي صنع الله إبراهيم في ختام "مؤتمر الرواية والمدينة"



20 نوفمبر 2003

لست قادرا على مجاراة الدكتور جابر في قدرته على الارتجال ولهذا فقد سطرت بسرعة كلمة قصيرة أعبر فيها عن مشاعري. وصدقوني إذا قلت أني لم أتوقع أبدا هذا التكريم. كما أني لم أسع يوما للحصول عليه. فهناك من هم أجدر مني به. بعضهم لم يعد بيننا، مثل غالب هلسا الأردني وعبد الحكيم قاسم المصري ومطيع دماج اليمني وعبد العزيز مشري السعودي وهاني الراهب السوري… والبعض الآخر ما زال يمتعنا بإبداعه مثل الطاهر وطار وإدوارد الخراط وإبراهيم الكوني ومحمد البساطي وسحر خليفة وبهاء طاهر ورضوى عاشور وحنا مينه وجمال غيطاني وأهداف سويف وإلياس خوري وإبراهيم أصلان وجميل عطية وخيري شلبي وفؤاد التكرلي وخيري الذهبي وكثيرين غيرهم.

لقد جرى اختياري من قبل أساتذة أجلاء ورواد للإبداع يمثلون الأمة التي أصبح حاضرها ومستقبلها في مهب الريح، وعلى رأسهم أستاذي محمود أمين العالم الذي زاملته في السجن وتعلمت على يديه وأيدي رفاقه قيم الوطنية الحقة والعدالة والتقدم.

وهذا الاختيار يثبت أن العمل الجاد المثابر يجد التقدير المناسب دونما حاجة إلى علاقات عامة أو تنازلات مبدئية أو مداهنة للمؤسسة الرسمية التي حرصـتُ دائما على الابتعاد عنها. على أن لهذا الاختيار قيمة أخرى هامة. فهو يمثل تقويما لنهج في الإبداع اشتبك دائما مع الهموم الآنية للفرد والوطن والأمة. إنه قدر الكاتب العربي. فليس بوسعه أن يتجاهل ما يجري من حوله وأن يغض الطرف عن المهانة التي تتعرض لها الأمة من المحيط إلى الخليج، عن القهر والفساد، عن العربية الإسرائيلية والاحتلال الأمريكي، والتواطؤ المزري للأنظمة والحكومات العربية في كل ما يحدث.

في هذه اللحظة التي نجتمع فيها هنا تجتاح القوات الإسرائيلية ما تبقى من الأراضي الفلسطينية وتقتل النساء الحوامل والأطفال وتشرد الآلاف وتنفذ بدقة ومنهجية واضحة خطة لإبادة الشعب الفلسطيني وتهجيره من أرضه.

لكن العواصم العربية تستقبل زعماء إسرائيل بالأحضان، وعلى بعد خطوات أخرى يحتل السفير الأمريكي حيا بأكمله بينما ينتشر جنوده في كل ركن من أركان الوطن الذي كان عربيا. ولا يراودني شك في أن كل مصري هنا يدرك حجم الكارثة المحيقة بوطننا، وهي لا تقتصر على التهديد العسكري الإسرائيلي الفعلي لحدودنا الشرقية ولا على الإملاءات الأمريكية وعلى العجز الذي يتبدى في سياسة حكومتنا الخارجية إنما تمتد إلى كل مناحي حياتنا. لم يعد لدينا مسرح أو سينما أو بحث علمي أو تعليم… لدينا فقط مهرجانات ومؤتمرات… وصندوق أكاذيب… لم تعد لدينا صناعة أو زراعة أو صحة أو عدل… تفشى الفساد والنهب ومن يعترض يتعرض للامتهان والضرب والتعذيب… انتزعت القِلة المستغِلة منا الروح… الواقع مرعب. وفي ظل هذا الواقع لا يستطيع الكاتب أن يغمض عينيه أو يصمت. لا يستطيع أن يتخلى عن مسؤوليته. لن أطالبكم بإصدار بيان يستنكر ويشجب، فلم يعد هذا يجدي، لن أطالبكم بشيء. فأنتم أدرى مني بما يجب عمله.

كل ما أستطيع هو أن أشكر مرة أخرى أساتذتي الأجلاء الذين شرفوني باختياري للجائزة وأعلن اعتذاري عن عدم قبولها لأنها صادرة عن حكومة لا تملك –في نظري- مصداقية منحها وشكرا.