الخميس، 30 يوليو، 2009

فشل إضرابات المعارضة: إياك أن تمس كبير العائلة

في الرابع من أيار\مايو العام الماضي فشلت التظاهرة التي دعت اليها حركة السادس من أبريل. هذا العام دعت القوى المعارضة في مصر وقد انضمت اليها حركة الأخوان المسلمين الى اعتصام في البيوت في ذكرى الرابع من أيار\مايو. وكانت التحركات التي تبعت التظاهرة الناجحة في أبريل 2008 قد منيت جميعها بفشل ملحوظ يطرح أسئلة جوهرية عن أسباب نجاح وفشل تحركات معارضة للنظام القمعي في مصر. ما يلي محاولة للإجابة عن هذا السؤال عن طريق علم نفس الشعوب.
إسماعيل الإسكندراني- منصات
may 3.jpg
مجموعة من المتظاهرين أمام مبنى نقابة المحامين في القاهرة في الرابع من أيار 2008. © أي بي

في سياق عقد المقارنة بين الإضرابات الثلاثة (أبريل 2008 – مايو 2008 – أبريل 2009) لا يمكننا أن نغفل تقويم الوعي الجمعي المصري للتجربة الأولى وقيام الجماهير ببناء مواقفها التالية على أساسٍ من هذه النتائج. لكن النقطة التي لا يلتفت لها الكثيرون أن الأهم من الوعي الجمعي في مصر هو الوجدان الجمعي لشعب معظم سكانه مزارعون أو من خلفية ريفية اعتادت الصبر لدرجة التجاهل، أو قبول المهانة أحياناً. وهو ما يختلف كثيراً عن الخلفية التجارية المليئة بالمخاطرة، أو النفسية الساحلية المفعمة بالمغامرة، أو حتى عن الخلفية الصناعية القائمة على التعاقد الميكانيكي.

وكي لا نظلم تراث القاعدة العريضة من الجماهير المصرية، ينبغي ألا نغفل التغيرات التاريخية التي حدثت في الشخصية المصرية. فكما يولد الطفل باستعدادات متناقضة؛ للشجاعة والجبن، للكرم والبخل، للصدق والكذب، للجشع والعفة، فإن الشخصية العامة للشعوب تولد كذلك، ثم تتطور في ضوء الأحداث التاريخية المختلفة والحقب الزمنية المتتالية.


فالشخصية الثائرة - التي تجاوبت مع أحمد عرابي وسعد زغلول في ثورتيهما، والتي دعمت لحد كبير انقلاب "الضباط الأحرار"- فقدت الكثير من ملامحها عبر عقود متتالية من القهر العسكري والسياسي والإعلامي جعل الهم الأكبر للشعب المصري هو التحصل على الفتات ليقتات به ويستر الأولاد.


كما اتبعت الأنظمة المتتالية منذ عهد جمال عبد الناصر منهجيات لإذلال معارضيها، قد تكون تفاوتت في أشكالها وحدتها، إلا إنها جميعاً تتفق في امتهان كرامة أعلى المعارضين قدراً في المجتمع. فإذا كان عبد الناصر قد قام بمذبحة للقضاة عن طريق عزل من يشاء بتدخل سافر في استقلالية القضاء المصري، فإن عهد مبارك قد شهد ضرب القضاة بأحذية الشرطة. وإن كان عبد الناصر قد أعدم معارضيه من الإسلاميين في محاكمات صورية، فإن السادات قد سب رمزاً دينياً مهماً – وهو الشيخ أحمد المحلاوي - من فوق منصة مجلس الشعب وسجلت شتيمته التاريخية تليفزيونياً، ثم أتى النظام الحالي بموضة المحاكمات العسكرية للمدنيين ومصادرة الأموال، ولا أحد يعرف إلى ماذا كانت ستقود الأحكام لولا الضغوطات الدولية.


هنا نقول: إنه إذا كانت الشخصية المصرية أبيةً بطبعها، إلا إن هذا الإباء وهذه الكرامة دائماً ما تكون مرتبطة بالرموز الشعبية ذات الصفة الرسمية (قد يعود هذا أيضاً لقيمة احترام كبير العائلة أو القرية في التراث المصري الريفي)، فتبلغ بسالة المصريين ذروتها إذا ما كان الرمز هو رئيس الدولة كما حدث في حرب أكتوبر، وتقل هذه البسالة مع صغر الحجم الرسمي الذي يمثله الرمز (زعيم حزب – قائد عسكري). لأنه في هذه الحالة ينظر المصريون إلى الزعيم الشعبي كأنه الأب الذي يعارض الجد أو العم الأكبر (كبير العائلة). فرغم اعترافهم بشرعية ما يريد الأب إلا إن هناك وجداناً جمعياً يحملهم على عدم الخروج على النظام الكلي، وذلك لسببين؛ الأول: أنهم بطبيعتهم لا يريدون المشاكل والاضطرابات، والثاني: أنهم ليسوا على استعداد أن يدفعوا ثمن التغيير من كرامتهم وأعراض بناتهم وشرف عائلاتهم الذي قد يهان بأبشع الطرق في حالة فشل المخطط. وبالطبع يزخر التاريخ الحديث للسجون والمعتقلات المصرية بالعديد من الفضائح والمآسي والانتهاكات التي تجعل أي معارض يفكر ألف مرة في الثمن الغالي الذي قد يضطر لدفعه، بما في ذلك عرضه الأدبي والمعنوي والجنسي.


وللأمانة فإن الأنظمة الديكتاتورية في مصر - رغم غشامتها وتجبرها - إلا إنها كانت من اليقظة بمكان جعلها تقضي على فرص وجود أي رمز من أي نوع قد يتجمهر المصريون حوله، وهي بذلك نزعت فتيل الأزمة العاصفة التي كان من الممكن أن تحدث حال وجود زعيم (أب) قوي ومحبوب يهدد عرش كبير العائلة (الرئيس).


لذلك يمكننا أن نتفهم التغيير الذي حدث في الإضرابين الثاني والأخير عبر ثلاث خطوات؛ الأولى: أن نبصر الأحداث كأنها شريط سينمائي يحتوي على المشاهد التالية: (اعتقال فتاة - 3 قتلى في المحلة سقطوا في أحداث شغب - 100 مصاب - أحكام قضائية بالسجن - ..).

الخطوة الثانية أن نتخيل تعبيرات مجموعة عشوائية من المصرييين عند سماعهم عدد من الكلمات، من أمثال: (قسم شرطة - سجن - اعتقال - حبس - قوات أمن - مظاهرات - ...). أو بمعنى آخر: أن نتخذ علم نفس اللغة مدخلاً لفهم ما تعنيه هذه الكلمات في الوجدان الجمعي المصري.


أما الخطوة الثالثة فهي أن نطرح سؤالاً بسيطاً: هل المصريون على استعداد لدفع الثمن متمتعين بأمل الزعيم مصطفى كامل (الذي قال: "لا يأس مع الحياة ولا حياة مع اليأس")؟


وهنا نستطيع أن نستخلص النتيجة: فطالما كانت تجربة أبريل 2008 مكلفة، حتى لو لم تكن التكلفة هي الإصابات والقتل والاعتقال والتخريب، فيكفي أن هناك مواجهةً مع قوات الأمن، ويكفي كذلك أن هناك "تصنيفاً أمنياً" محتملاً قد يضر بمستقبل المشاركين ويمس مصادر أرزاقهم في حالة فتح "ملفات أمنية" لهم. وما دام الإحباط يستشري في الأوساط المصرية بشكل يتحدى أكثر المتفائلين ابتهاجاً، فلماذا يخاطر المصريون مرة ثالثة؟!


وفي سياق الوجدان الجمعي لا يفوتنا أن نشير إلى أن الأمن المصري حرص على استباق اللعب على أوتار التهديد العاطفي، فلم ينتظر حتى يوم الإضراب كي يعتقل فتاة أخرى، ولكنه بادر باعتقال سارة رزق وأمنية طه قبل الإضراب بأيام، بل وصل التبجح إلى اعتقالهما من داخل الحرم الجامعي. ثم ما لبث أن أظهر الوجه الآخر بشكل استباقي أيضاً، فرغم لطف معاملة الفتاتين توجه إلى المتضامنين معهما بعنف شديد طال المحامين الموكلين للدفاع عنهما. ولكن الأهم من ذلك حقاً أن إسراء من القاهرة الحضرية، وأن سارة وأمنية من كفر الشيخ الريفية، وفي ذلك دلالات وإشارات ورسائل.

وعلى صعيد آخر، قد يأنف بعض أصحاب الوعي من المثقفين المحبَطين أن يرجعوا الأسباب إلى الوجدان والعواطف والتردد والخوف، وقد يرون الحديث عن عاطفة المعارضين ووجدان الثوريين من الأمور التي تعيب حركة التغيير المصرية (رغم أن العاطفة والوجدان من خصائص البشر جميعاً، والمصريين خصوصاً). وهنا يتم اللجوء إلى أبرز الحيل الدفاعية المعروفة في علم النفس؛ التبرير. والمجال "المنطقي" الرحب المؤهل لاستضافة الهاربين من الواقع هو عالم الحقائق ولغة الأرقام.

فالحقائق (اليائسة / النسبية / الجزئية) تقول:


إن كان الإضراب الأول كان للاعتراض على ارتفاع الأسعار؛ فإن النظام قد عاقب الشعب بزيادتها بعد نجاحه في رشوته بالعلاوة، بل وارتفعت بعض الأسعار أيضاً (كالسيارات مثلاً) في عام 2009 رغم انخفاضها في العالم كله بسبب الأزمة الاقتصادية العالمية.

إن كان إضراب أبريل 2008 كان لتحسين الأوضاع السياسية؛ فماذا عن النتيجة المؤلمة للمحاكمات العسكرية؟!
إن كان الهدف العام هو التغيير للأفضل؛ فهل حدث تغيير أصلاً؟ وإن كان قد حدث فهل كان للأفضل أم للأقتم والأمرّ؟!!

هنا نرى أن هناك ما هو أخطر من الوجدان الجمعي. إنه التفاعل الجدلي بين الوجدان الجمعي نفسه وبين الحقائق الانتقائية الدائرة في خلد الوعي الجمعي. وأقول "انتقائية" لأن الحقائق الإنسانية دائماً ما تكون نسبية، وإذا سلمنا أن التحيز خصيصة من خصائص البشر أيقنا أنه ما من حقيقة "تبريرية" إلا ويجب أن تكون "انتقائية".

بمعنى آخر فإن الكثيرين – وأنا منهم – قد يردون على هذه الحقائق بحقائق أخرى تكتمل بها الصورة، ويتضح بها مدى تبريرية هذه الحجج. لكن يبقى هؤلاء الكثيرون أقلية غير مؤثرة في فهم أسباب فشل إضراب أبريل 2009، لذلك أرى أنه لا داعِ لذكر الردود. فما هي إلا محاولة للفهم والتفسير، بعيداً عن التحفيز أو الإحباط، فللأخيرين مجالات أخرى. فبغض النظر عن أمنياتنا في إحداث الإصلاح والتغيير أو حتى الثورة (المستبعدة)، كانت هذه محاولة للخروج بالتحليل الموضوعي عن المعتاد في سياق تفهم أسباب اختلاف إضراب أبريل في 2009 عن سابقه في 2008، وتشابهه مع قرينه 4 أيار\مايو