السبت، 11 يوليو، 2009

لاهوت التحرير ..مسيحية المعدمين


حسام تمام



لاهوت التحرير (Liberation Theology) هو القراءة الثورية للمسيحية التي من خلالها أعاد بعض آباء الكنيسة الكاثوليكية في أمريكا اللاتينية قراءة المسيحية لمصلحة الفقراء والمعدمين والمظلومين والمهمشين، في ضوء اتجاه الكنيسة لإعادة تكييف علاقتها مع المجتمع. وهي بذلك تمثل انقلابا لاهوتيًا أدى لتوسيع مجال الإيمان، بحيث يشمل المسئولية تجاه الواقع وتغييره، متجاوزا تغيير وإصلاح الضمير والنفس وحسب، وذلك من خلال قراءة تؤكد على أن "الخلاص لا يكون بالتحرر من الخطايا فقط، بل بكل أشكال التحرر الأخرى بما فيها التحرر السياسي والاقتصادي..."، وهي قراءة تزاوج بين الخلاص وتحرر الإنسان، وبين الإيمان والعمل السياسي، وبين ملكوت الله وبناء العالم.

وإذا كانت هناك إضافة حقيقة قدمتها قارة أمريكا اللاتينية للفكر الإنساني في القرن العشرين، فهي "لاهوت التحرير" الذي يعد بحق إبداعا لاتينيًا خالصًا جدد رؤية المسيحية في القرن العشرين.

وقد ظهرت حركة (لاهوت التحرير) في الستينيات والسبعينيات من ذلك القرن حينما كانت الأنظمة الشمولية والعسكرية تسيطر على معظم دول أمريكا اللاتينية (بيرو- شيلى- أوروجواي- الأرجنتين- البرازيل)، كما لم تكن دول أمريكا الوسطى أيضًا تختلف عنها كثيرًا، حيث كانت حروب العصابات ومواجهات الحرب الباردة تعم كولومبيا وفنزويلا ونيكارجوا؛ فكانت هناك حالة من القهر والاستبداد تسيطر بها السلطات العسكرية الشمولية على كل شيء، فتصادر وتؤمم كل قوى ومؤسسات شعوبها التي كانت ترزح تحت نير الجهل والفقر، وكان ثمة تحالف غير معلن يكرس هذه الأوضاع بين القوى الرئيسية المسيطرة على هذه البلاد، وهى: الطبقات الحاكمة التي كانت مرتبطة في شكل استعماري سافر بمصالح القوى الاستعمارية الإمبريالية المركزية في العالم وعلى رأسها الولايات المتحدة، وكبار الملاك والإقطاعيين الذين ارتبطت مصالحهم بالرأسمالية الأمريكية، بالإضافة إلى عدد من كبار رجال الكنيسة الذين كانوا بمثابة ضمان لاستمرار وتكريس هذه الأوضاع الظالمة، حتى صار الفقر والظلم الاجتماعي كأنه قدر ينبغي للمؤمنين أن يحافظوا عليه! وكانت الكنيسة وقتها تطرح رؤية محافظة تقليدية تدعو الفقراء والمظلومين والمعدمين إلى الصبر على ما هم فيه، وتبشرهم بالفوز بـ (ملكوت السماوات) تعويضا عن حالة الفقر والظلم التي يرزحون تحتها والتي جعلتها الكنيسة حتمية اجتماعية لا تشجع التمرد عليها.

وقد أثارت هذه الأوضاع الجائرة التي يزداد فيها الفقراء فقرا والأغنياء غنى عددًا من رجال الكنيسة الكاثوليكية في أنحاء أمريكا اللاتينية؛ فتفاعلوا معها وتبلورت لديهم رؤية ثورية راديكالية أكثر اقترابًا من هموم وقضايا الفقراء والمهمشين، وبدأت تظهر مجموعات راديكالية ثورية من القساوسة قامت بنقد المجتمع والسلطة والكنيسة أيضا، خاصة في علاقتها بالمجتمع، فطالبوا بخروج الكنيسة من عزلتها وبانفتاحها على المجتمع، خاصة بعد أن أصبحت القوة الوحيدة الباقية خارج سيطرة الأنظمة الشمولية التي صادرت كل القوى والأحزاب والمؤسسات السياسية والاجتماعية والعالمية، مؤكدين على أن الكنيسة الحقة ليس لها وجود إلا على المستوى الشعبي، وأعادوا قراءة التوراة والإنجيل والتراث الكنسي كله قراءة منحازة للفقراء ضد الأغنياء، مؤكدين على أن المسيح نبي الفقراء ومخلصهم، وأنه كان فقيرا، ولا بد أن يكون في صف الفقراء وليس الأغنياء.

كما أولوا عناية فائقة بقضايا الفقر في قراءتهم للنصوص الدينية والتراث المسيحي؛ فاستطاعوا إحياء صورة الفقير في الثقافة الكلاسيكية منذ العصور الوسطى، وصنعوا حالة من التعاطف معها، كما ركزوا في قراءتهم على اكتشاف النصوص المسيحية التي تتحدث عن حقوق الفقراء والمضطهدين والمحرومين وبلورة خطاب مسيحي أكثر اقترابا منهم وتعاطفا معهم

آباء الفكر ورموز الحركة


وساهم في ذلك التغيرات التي كانت قد طرأت آنذاك على الكنيسة الكاثوليكية وعلى الخطاب البابوي بإزاء الفقراء؛ إذ كان البابا بولس السادس قد أصدر وقتها ( سنة 1967 تحديدا ) خطابه الشهير "تنمية الشعوب"، الذي أبدى فيه تعاطفًا مع الفقراء، وحين هاجم الرأسمالية "المتوحشة".

كما كان دور الكنيسة، خاصة في أمريكا اللاتينية، قد اتسع وصار أكثر تأثيرًا بفعل مقررات مجمع الفاتيكان الثاني (سنة 1965) التي دعت إلى تحويل لغة العبادة من اللاتينية إلى اللغات المحلية للشعوب المسيحية، وهو ما جعل القساوسة يتحدثون بلغة الناس اليومية، ومن ثم صاروا أكثر ارتباطاً بالجماهير وتأثيراً في أفكارهم وحياتهم، وأكسب الخطاب المسيحي قدرة أكبر على التأثير في أتباعه من كل الشعوب، خاصة في أمريكا اللاتينية التي كانت تعرف بالقارة المسيحية بسبب تدينها وتمسكها الشديد بالمسيحية.

وانتشر دعاة "لاهوت التحرير" من آباء الكنيسة الكاثوليكية في معظم مناطق أمريكا اللاتينية فكان "ليوناردو بوف" في البرازيل، و"بابلو ريتشاردز" في شيلي، و"أوتومادور" في فنزويلا، و"خوان لويزسيجوندو" في أورجواي، و"خافيير جورستياجا" في نيكاراجوا…، لكن كانت هناك أعلام بارزة لحركة لاهوت التحرير ينسب إليها صياغة مبادئ الحركة وأفكارها الرئيسية، ويعتبرها الكثيرون بمثابة الآباء المؤسسين للاهوت التحرير، وعلى رأس هؤلاء يأتي القس الكولومبي "كاميللو توريس"، ورغم أنه كان ينتمي في بدايته لأسرة عريقة وثرية في بوجوتا العاصمة، وتعلم في أوروبا ونال من بلجيكا الدكتوراه في علم الاجتماع، فإنه انقلب فكريًا تمامًا بعد الدراسات الميدانية التي أجراها لحياة الفقراء خاصة في الريف الكولومبي فأصبح ثوريًا راديكاليا، وشكل سنة 1965 "الجبهة الواسعة" وهو تحالف سياسي يسعى للاستجابة لمتطلبات غالبية أهالي بلاده؛ فكانت النتيجة طرده من الحياة السياسية والدينية أيضًا، وهو ما دفعه للانضمام لجيش التحرير الوطني المسلح.

والإضافة الكبرى التي قدمها كاميللو توريس هي "تثوير المسيحية" أو قراءتها قراءة ثورية؛ فقد قام ببحث عميق لمعنى الحب المسيحي، وأعاد صياغة مفهومه ليحوله من كونه شعورًا فرديًا عاطفيًا ليصبح عملية اجتماعية تتضمن معاني الزهد والتضحية والتعاطف مع الضعفاء والفقراء والمحتاجين.

ورغم أن "توريس" لم يعمر كثيرًا وقتل في 1966، فإنه ظل رمزًا لما أصبح يعرف بالكنيسة التقدمية نظرًا لوعيه السياسي الذي قاده لآرائه الثورية، انطلاقًا من فهمه الديني الذي حول مفهوم الحب المسيحي إلى ثورة على المستوى الاجتماعي والاقتصادي والسياسي أيضًا، فعلى ضوء المفاهيم التي صاغها كاميللو توريس تكونت جماعات كاثوليكية في كل مناطق الريف اللاتينية لعبت كلها دورًا بارزًا في المجالات الخدمية والإنسانية للفقراء.

وبجانب توريس يقف الأب "جوستافو جوتييرز" في بيرو كأحد أهم مؤسسي حركة لاهوت التحرير في أمريكا اللاتينية، فقد استطاع بكتاباته خاصة كتاب (رب الحياة) صياغة المفاهيم والأفكار الرئيسية للاهوت التحرير، والمحور الأساسي فيها هو اعتبار "المسيح هو مسيح الفقراء ومسيح المضطهدين، ومسيح الحرية…".

أما أهم رموز حركة لاهوت التحرير على الإطلاق فهو "أوسكار روميرو" كبير الأساقفة الراحل في السلفادور، فقد كان أكثر آباء الكنيسة انحيازًا للفقراء، وكان أول من أعلن ذلك صراحة، وأعلن معارضته لحكومة بلادة الديكتاتورية التي وصفها بالدموية والعداء للفقراء، وكان من أبرز معارضي الهيمنة الأمريكية بالمنطقة، وقد وضع عدة مؤلفات تعد الأساس الفعلي لحركة لاهوت التحرير، أهمها كتاب (عنف الحب) و(صوت من لا صوت لهم) الذي صار فيما بعد عنوانًا لسلسلة الكتب التي تعبر عن فكر وتوجيهات هذه الحركة. ولم يطبع هذان الكتابان إلا بعد رحيل روميرو بأكثر من عشر سنوات. وله كتاب (رسالة الأمل من أحد الشهداء)، وهو عبارة عن شرائط كانت تحمل تسجيلاته، إضافة إلى كتابه (أوقفوا الاضطهاد).

وقد استمر روميرو في دعوته إلى أفكاره المناصرة للفقراء والمستضعفين والرافضة لهيمنة الأغنياء حتى قتل في أوائل الثمانينيات، واتهمت حكومة السلفادور وقتها الثوار اليساريين بقتله، لكن ثبت بعدها أن المسئول عن اغتياله (كتائب الموت) التي كانت تابعة للشرطة والجيش السلفادوري، التي كانت مختصة بالتخلص من أعداء النظام، كما ثبت أيضًا تورط المخابرات المركزية الأمريكية في هذه العملية الشائنة!

وقد بلغت مكانة روميرو أن اعتبر جوستافو جوتييرز في كلمة ألقاها في الذكرى الخامسة عشرة لاغتياله "أن موت الأسقف" روميرو "يمثل نقطة فاصلة في تاريخ الكنيسة بأمريكا اللاتينية".

الأثر والصدى

وقد أحدثت حركة لاهوت التحرير، وقتها، انقلابًا هائلاً على كل المستويات في جميع دول أمريكا اللاتينية والوسطى، فلعبت دورًا هامًا أثناء فترات الحكم الديكتاتوري في تقوية الشعوب وحثها على الصمود، ودفعها أيضًا للمقاومة والتصدي لهذه الديكتاتوريات والتضحية بالأرواح ولكن في سياق إيماني، فتأثرت كل حركات التحريرية والثورية في هذه المنطقة بلاهوت التحرير، كما انخرط كثير من الأساقفة الكاثوليك في صفوف الثوار وخاضوا حروب العصابات، وحدث في كثير من الأحيان تداخل بين المنظمات الكنسية وبين المنظمات الثورية التي لم تملك إلا التأثر بلاهوت التحرير خاصة في جوانبه المتعلقة بنصرة الفقراء والمظلومين والانحياز لهم.

كما أحدث لاهوت التحرير انتعاشًا في مجال العمل الخدماتي والإنساني بسبب اهتمامها بالبعد الاجتماعي والخدمي في قراءتها لدور المسيحي، وتجديدها لاقترابات تفسير النصوص الدينية والتراث المسيحي؛ إذ نجحت جماعة اللاهوت في نشر اعتقاد داخل الدوائر الكنسية بقدرة الناس على التغيير إذا ما فكروا وعملوا معا، وقدرتهم على تغيير ظروفهم البائسة بل والدنيا بأسرها.

ويشير مسح أجرى عام 1989 في مدينتي ريودي جانيرو، وساوباولو بالبرازيل إلى أن (90 %) من الجمعيات التي تأسست لخدمة الفقراء وتنميتهم وتحسين أوضاعهم تأسست سنة 1970، وهي السنة التي بدأ فيها التأثير الحقيقي لحركة لاهوت التحرير، هذا بالإضافة إلى تنامي الدور الاجتماعي داخل الإبراشيات الكاثوليكية نفسها.

وفى إطار اهتمامها بالفئات المهمشة والمعدمة فتحت حركة لاهوت التحرير الباب لأول مرة أمام العناصر النسائية للتأمل المسيحي والتفكر في أصول الدين المسيحي، بعد أن كان ذلك قاصرًا على الرجال.

وعملت الحركة أيضًا على إتاحة كل شيء للفقراء بما فيها الثقافة والعلم والمعرفة؛ فكان لها دور تثقيفي وتنويري رائد بجانب الدور الاجتماعي والإنساني، فقدمت أهم كتب الثقافة والمعرفة في طبعات زهيدة تناسب الفقراء والمعدمين، فكان هناك -على سبيل المثال- سلسلة كتب بعنوان "صوت من لا صوت لهم" المأخوذة عن كتاب أوسكار روميرو الشهير السالف الذكر، وكان يحررها خوليان جوميث ديل كاستيو.

وكانت تُعنى بنشر مؤلفات الكٌتاب المهمشين والمجهولين في تاريخ الكنيسة الكاثوليكية الذين تمثل مؤلفاتهم قيمة حقيقية في طريق العدل الاجتماعي من منظور لاهوتي وتتفق مع أفكار لاهوت التحرير، وكانت هناك دار نشر تابعة للحركة الثقافية المسيحية مقرها في إسبانيا تتولى نشر هذه السلسلة، وكانت تتوجه لتأييد الحركات العمالية والشعبية في مواجهة الأغنياء والرأسماليين ومثلت أهم روافد حركة لاهوت التحرير الفكرية.

وقد كان تأثير حركة لاهوت التحرير متجاوزا لأمريكا اللاتينية والوسطى إلى داخل الولايات المتحدة نفسها التي كانت أكثر طرف تصدى لهذه الحركة وحاربها؛ لأنها تقوم بتمكين المستضعفين خاصة في ظل وجود أقلية معتبرة من أصول "هيسبانية"-مكسيكية وأمريكو/لاتينية-، بل وظهرت فيها حركة (لاهوت التحرير الأسود) متأثرة بنفس المنطق (إعادة قراءة المسيحية لمصلحة فئة معينة هي الأقلية السوداء)، حيث أعاد بعض الأمريكان السود من أتباع المذهب البروتستانتي قراءة المسيحية لمصلحة السود كرد فعل لعنصرية البيض وتمييزهم ضد السود، لكنهم انتهوا إلى نوع من العنصرية المضادة، وإلى الإعلاء من السود باعتبارهم العرق الأنبل، واعتبرت أن المسيح هو نبي السود ومخلصهم حتى صارت هناك رؤية لمسيحية سوداء بإزاء المسيحية البيضاء!

ويلاحظ أن الدين بشكل عام كان سلاحًا للسود لدعم تميزهم مثل أمة الإسلام على الجانب الآخر، التي وظفت الدين كعنصر تضامن وقوة مكنها من القيام بمسيرة مليونية للبيت الأبيض وتجميع السود حول قيادات بارزة.

على أن الفارق بين لاهوت التحرير في أصوله اللاتينية وبين لاهوت التحرير الأسود كان أن الأول بدا أكثر تركيزًا على الجانب الاجتماعي بعكس الثاني الذي غلب فيه البعد العرقي.

بين العدل والماركسية

وقد تحدث الكثيرون عن تأثر حركة لاهوت التحرير بالفكر اليساري والماركسي بصفة خاصة، واعتبروا أنها تمثل تمازجًا بين المسيحية والماركسية؛ نظرًا للتشابه الكبير في الأفكار الخاصة بالفقراء والمهمشين والعمال المعدمين، إلا أن التحليل الدقيق يؤكد عدم صحة ذلك؛ إذ إن التشابه في كثير من الأفكار يرجع -بصفة أساسية- إلى الواقع المشترك الذي ولّد اهتمامات مشتركة وأفرز أفكارًا متشابهة كان القاسم المشترك بينها الرغبة في التغيير ورفض الواقع الذي أدى إلى الظلم والفقر، في حين كانت المنطلقات متباينة تمامًا، ففي حين تأثر يساريو أمريكا اللاتينية بموجة المد الشيوعي التي كانت قد اجتاحت المنطقة في الستينيات والسبعينيات كانت منطلقات ومصادر فكر آباء حركة لاهوت التحرير منطلقات مسيحية كنسية خالصة.

فأوسكار روميرو الذي يردد مقولته الشهيرة "الخطيئة الحقيقية هي الظلم وعدم العدالة في توزيع الثروات"، وكأنه يبدو كمفكر يساري أصيل، كان من ألد أعداء الشيوعية، وكثيرًا ما هاجمها بعنف مؤكداً إيمانه المسيحي، وأن "الكنيسة" هي ظل الله في الأرض، وهو صاحب الشعار المعروف (الدين للفقراء) الذي يعتبر الدين المخلص للفقراء.

وكتاب (الإنثروبولوجيا الاجتماعية) الذي كان بمثابة وثيقة عمل ورؤية نظرية لحركة لاهوت التحرير -رغم تأثره الواضح والكبير ببعض الأفكار الماركسية- نجد أن مؤلفه دون كوماس مالاخون كان يعكس فيه أفكاره كمسيحي ملتزم وليس كيساري، وكان دائم التأكيد على دور الكنيسة المسيحية رغم آرائه التحررية والثورية في كافة جوانب الحياة.

والحقيقة أن الخلط السائد عند بعض المحللين بين أفكار حركة لاهوت التحرير وبين الأفكار اليسارية لا يرجع فقط إلى تشابه الواقع الذي أفرزهما، وإنما أيضًا إلى ما حدث من تعايش خلاق بينهما، ففي حين كان رجال لاهوت التحرير يتمتعون بانفتاح واسع ومتحرر على الفكر الإنساني على اختلافه بما فيه الفكر اليساري، كانت الحركات اليسارية في أمريكا اللاتينية تدرك طبيعة شعوبها وخلفيتها الدينية وتعي أنها شعوب مسيحية مؤمنة ومتمسكة بإيمانها المسيحي فلم تسع إلى الصدام مع الخلفيات الدينية لها بما سمح بالتعايش والتلاقح الفكري بين الجانبين، وهو ما أوجد نوعًا من التشابه بين أفكار كل منهما، وإن احتفظ كل فريق بمنطلقات ومرجعيات مغايرة للآخر.

ومع نهاية عقد السبعينيات ومنتصف الثمانينيات كان الواقع الذي ظهرت فيه حركة لاهوت التحرير قد تغير كثيرًا في أمريكا اللاتينية عما كان عليه بعد أن سقطت الأنظمة الشمولية والعسكرية، ودخلت بلادها عصور التحول الديمقراطي، وهو ما دفع بأحد كبار مؤسسيها "جوستافو جوتييرز" سنة 1996 للقول بأن "العالم الذي أوجد لاهوت التحرير يبدو أنه يقترب من نهايته، وتبدو حتمية لسلسلة من التغيرات السياسية والاقتصادية والكنسية على نطاق العالم وعلى نطاق أمريكا أيضًا".

ورغم ذلك فتظل حركة لاهوت التحرير إحدى علامات الفكر الإنساني الهامة في العصر الحديث، والتي تفيد في تطوير رؤانا بشأن علاقة الدين بالعدل والإيمان بالحرية والكرامة الإنسانية للفئات المهمشة والمستضعفة في عصر عولمة الرأسمالية وتدويل سلطة السوق.

يمكن الرجوع للنسخة الأصلية علي موقع إسلام أون لاين.