الثلاثاء، 25 أغسطس، 2009

اللــيندي، اليوم الأخير.. من ذاكرة الإستبداد

السلفادور الليندي


في الحادي عشر من أيلول 1973 تمردت البحرية، ثم تبعها بعد ذلك على الفور تقريباً سلاح الطيران و أخيراً قوات الدرك، و هي الشرطة التشيلية. جرى تحذير الرئيس سلفادور الليندي فوراً، فارتدى ملابسه على عجل، و ودع زوجته و مضى إلى مكتبه مصمماً على تنفيذ ما كان يقوله دائماً: لا يمكنهم أن يخرجوني حياً من قصر لامونيدا. و قد سارعت ابنتاه إيزابيل و تاتي التي كانت حبلى آنذاك، على الخروج مع أبيهما. و ما أن انتشر الخبر المشؤوم حتى هرع إلى قصر الرئاسة وزراء و أمناء و موظفون و أطباء موثوقون، و بعض الصحفيين و الأصدقاء، حشد صغير كان يتنقل في صالات القصر على غير هدى دون أن يعرف ما الذي يجب عمله، فقد كانوا يرتجلون تكتيكات للمعركة، و يعززون إقفال الأبواب بوضع قطع الأثاث وراءها حسب تعليمات حراس الرئيس المشوشة. و تعالت أصوات مقترحة أن الساعة قد أزفت لدعوة الشعب إلى مظاهرة حاشدة للدفاع عن الحكومة، و لكن الليندي قدر أن ذلك سيؤدي إلى مقتل الآلاف. و كان في أثناء ذلك يحاول إقناع المتمردين عبر المراسلين و المكالمات الهاتفية، لأن أياً من الجنرالات العصاة لم يتجرأ على مقابلته وجهاً لوجه. و تلقى حراس القصر الأوامر من قادتهم بالانسحاب لأن قوات الدرك كانت قد انضمت كذلك إلى الانقلاب، فتركهم الرئيس يذهبون و لكنه طلب منهم تسليم أسلحتهم. بقي القصر دون حماية، و أبوابه الخشبية الضخمة المرصعة بدوائر حديدية أغلقت من الداخل، و بعد الساعة التاسعة صباحاً بقليل أدرك الليندي أن كل مهارته السياسية لن تتمكن من تحويل المسار التراجيدي لذلك اليوم، و الحقيقة أن الرجال المحبوسين في المبنى الكولونيالي القديم كانوا وحيدين، و لن يذهب أحد لإنقاذهم، فالشعب أعزل و بلا قادة يوجهونه. أمر النساء بالخروج و وزع حراسه الأسلحة على الرجال، و لكن قلة منهم كانوا يعرفون كيفية استخدامها. و كانت الأخبار قد وصلت إلى العم رامون في سفارته في بوينس أيرس و تمكن من التحدث بالهاتف مع الرئيس، و قد ودع الليندي صديقه المقرب طوال سنوات بالقول: لن أستقيل، لن أخرج من قصر لامونيدا إلا عندما تنتهي فترة رئاستي، أو عندما يطلب مني الشعب ذلك، أو ميتاً. في أثناء ذلك كانت الوحدات العسكرية تسقط في يد الانقلابيين واحدة بعد الأخرى، و بدأت في الثكنات عمليات التطهير ضد أولئك الذين حافظوا على ولائهم للدستور، و كان أول من جرى إعدامهم رمياً بالرصاص في ذلك اليوم هم من ذوي الزي العسكري. كان القصر محاصراً بالجنود و الدبابات، سمعت أصوات طلقات نارية متفرقة، ثم دوي قذيفة اخترقت الجدران القديمة السميكة و أحدثت حريقاً في الأثاث و الستائر في الطابق الأول. خرج الليندي إلى الشرفة و هو يضع خوذة و يحمل بندقية، و أطلق نحو زختين من الرصاص، و لكن سرعان ما أقنعه أحدهم بأن ما يفعله هو الجنون و أجبره على الدخول. تم الاتفاق على هدنة قصيرة من أجل إخراج النساء و طلب الرئيس من جميع من كانوا معه أن يستسلموا، و لكن قلة هم الذين فعلوا ذلك، و اتخذ معظمهم مواقع قتالية في صالونات الطابق الثاني، بينما كان الرئيس يودع النساء الست اللواتي مازلن إلى جواره. لم تشأ ابنتاه المغادرة، و لكن النهاية كانت قد أصبحت واضحة في تلك اللحظة، فجرى إخراجهما بالقوة بأمر من أبيهما. خرجتا وسط تلك الفوضى إلى الشارع و سارتا دون أن يعتقلهما أحد، إلى أن أخذتهما سيارة و أوصلتهما إلى مكان آمن. لم تستطع تاتي التخلص من آلام ذلك الوداع و مصرع أبيها، أكثر رجل أحبته في حياتها، و بعد ثلاث سنوات من ذلك، و هي في منفاها في كوبا، عهدت بأبنائها إلى إحدى صديقاتها و قتلت نفسها برصاصة دون أن تودع أحداً. الجنرالات الذين لم يتصورا مثل ذلك الصمود لم يعودوا يعرفون كيف يتصرفون، و لم يكونوا يرغبون في الوقت نفسه في تحويل الليندي إلى بطل، فعرضوا عليه طائرة تحمله مع أسرته إلى المنفى. فكان رده على ذلك: لقد أخطأتم بالرجل أيها الخونة. عندئذ أخبروه بأنهم سيبدؤون القصف الجوي. لم يبق أمامه إلا قليل جداً من الوقت. توجه الرئيس للمرة الأخيرة إلى الشعب من جديد من خلال محطة البث الإذاعي الوحيدة التي لم تكن قد سقطت بعد بيد العسكريين المتمردين. كان صوته هادئاً و ثابتاً، و كلماته حازمة جداً حتى أن ذلك الوداع لم يكن يبدو و كأنه النفس الأخير لرجل ذاهب إلى الموت، و إنما تحية جديرة بمن سيدخل التاريخ إلى الأبد: من المؤكد أنه سيتم إسكات إذاعة ماغاييانيس، و لن يصل معدن صوتي الهادئ إليكم. ليس مهماً. ستواصلون سماعه، لأنني سأكون معكم دائماً. ستكون ذكراي على الأقل ذكرى رجل جدير، كان وفياً لوفاء الشغيلة ... إنهم يملكون القوة و يستطيعون قهرنا، و لكن التحولات الاجتماعية لا يمكن وقفها بالجريمة و بالقوة. فالتاريخ لنا و الشعوب هي التي تصنعه ..... يا عمال وطني، إنني مؤمن بتشيلي و قدرها. سيتجاوز أناس آخرون هذه اللحظة الرمادية و المريرة حيث الخيانة تسعى لفرض نفسها. فاعلموا جميعكم أنه عاجلاً و ليس آجلاً ستنفتح دروب فسيحة تحف بها أشجار الحور ليعبر منها الرجال الأحرار من أجل بناء مجتمع أفضل. تحيا تشيلي! يحيا الشعب! يحيا الشغيلة!

السلفادور الليندي قبل اغتياله

حامت القاذفات مثل طيور مشؤومة فوق قصر لامونيدا ملقية حمولتها بدقة كبيرة أدخلت معها القنابل المتفجرة من النوافذ، و خلال أقل من عشر دقائق كان جناح كامل من المبنى يحترق، بينما كانت الدبابات تقذف من الشارع قنابل الغاز المسيل للدموع. و في الوقت نفسه كانت طائرات و دبابات أخرى تهاجم المنزل الرئاسي في الحي العلوي. أحاطت النيران و الدخان بالطابق الأول من القصر و بدأت تصل إلى صالات الطابق الثاني حيث ما يزال يتمترس سلفادور الليندي مع عدد محدود من أتباعه. كان هناك أجساد ملقاة في كل مكان، جرحى ينزفون بسرعة. و من بقوا على قيد الحياة كانوا يختنقون من الدخان والغازات، و لم يعودوا قادرين على إسماع أصواتهم وسط أزيز الرصاص و دوي الطائرات و القنابل. دخلت قوات الاقتحام العسكرية من الثغرات التي فتحتها النيران، و احتلت الطابق الأرضي المشتعل، و أمرت بمكبرات الصوت الموجودين بالنزول على سلم حجري خارجي يؤدي إلى الشارع. أدرك الليندي أن أي مقاومة ستنتهي بمجزرة فأمر بالاستسلام، لأنهم سيكونون أكثر جدوى للشعب و هم أحياء مما سيكونونه بموتهم. ودّع كل واحد منهم بالضغط بشدة على يده، و هو ينظر إلى عيونهم. و خرجوا في صف واحد و هم يرفعون أيديهم. استقبلهم الجنود بإعقاب البنادق و الركلات، و دحرجوهم من أعلى الدرج ثم أفقدوهم الوعي في الأسفل من الضرب قبل أن يسحبوهم إلى الشارع، و هناك طرحوهم على بطونهم فوق الرصيف، بينما كان أحد الضباط يصرخ متوعداً بهستيرية بأنهم سيجعلون الدبابات تمشي فوقهم. بقي الرئيس حاملاً البندقية إلى جانب العلم التشيلي الممزق و الملطخ بالدم في الصالة الحمراء المحطمة. اندفع الجنود إليه بأسلحتهم الجاهزة لإطلاق النار، و تقول الرواية الرسمية أنه وضع سبطانة السلاح تحت ذقنه و أطلق النار فحطمت الرصاصة رأسه.

إيزابيل الليندي
من روايتها "بـــــاولا"
1994