السبت، 25 يوليو، 2009

" المدونات " غريزة أساسية



«منال وعلاء» و«طق حنك» و«أفريكانو» و«مصر ديجيتال» أشهر المدونات المصرية ومدونة «مالكم إكس» و«الوعي المصري» فجرا بالصوت والصورة التحرش بالفتيات في وسط البلد! «درادج ريبوت» يعد الاب الروحي للمدونات التي ظهرت في تسعينيات القرن الماضي وكان وراء ونشر فضيحة «مونيكا لوينسكي» علي الرأي العام الامريكي!

عندما يشير احدهم الي المسلات الفرعونية او المعابد المصرية الرائعة، فإننا يجب الا ننظر فقط الي عبقرية المسلة او المعبد وننسي عبقرية الجدران، ان المصريين القدماء احترفوا التدوين علي جدران معابدهم، ولولا تلك اليوميات او لنقل تلك المدونات التي تشبه «البلوجرز» حيث التدوين كان وقتها علي الجدران بدلا من صفحات الإنترنت ولولا هذه المدونات الفرعونية ما فهمنا او عرفنا شيئاً عن اهم حضارة في التاريخ.

لا اقول ذلك لاثبت ان التدوين هو اختراع فرعوني لكن مقصدي هو التدليل علي ان التدوين هو غريزة انسانية، حق انساني، فعل حضاري، وهو عالمي وهو تاريخي تأريخي، بدأه الانسان منذ قرون، واستمر معنا عبر القرون دون انقطاع..الي ان بدأنا نكتب علي جدران الشوارع او ما يسميه الغر «فن الجرافت» كما هو موجود حاليا في جسور وميادين وشوارع المانيا وبلجيكا وغيرهما من الدول.. او كما يسميه المؤرخ الاجتماعي سيد عويس «هتافات الصامتين» فنجد كتابات الفلسطينيين للتفريغ عن همومهم علي جدران الشوارع وهو ما اضحي موجودا في العراق وفي كثير من العواصم العربية ويطلق عليه ادونيس «حرب السلام».

ومع التطور ووصل الانترنت وثورة النشر الالكتروني والميديا الرقمية الي اطراف اصابع رجل الشارع تحول التدوين هذا الفعل الحضاري الانساني «الي التدوين عبر الانترنت بفضل ثورة المدونات» بمرور الوقت وتحول المدونات والمدونين الي فكرة شعبية عالميا لم تعد فكرة المدونات هي مجرد كتابة علي الانترنت او تأريخ شخصي او كتابة يومية اشبه بالمذكرات اليومية، لكنها دخلت مرحلة اكثر تطورا كما اطلق عليها خبراء الاعلام والصحافة فسماها بعض الاكاديميين صحافة الشارع.. او صحافة المواطن واطلق عليها البعض الآخر انها احدي وسائل الاعلام الجديد «النيوميديا» وما يسمي بالـ «soft power» او القوي الناعمة التي ستغير من شكل بث الاعلام الذي اعتدنا عليه، ووصفها آخرون بانها الاعلام البديل بمعني بديل عن الاعلام الحكومي والخاص، اي انها اعلام مستقل لا يحمل اية اجندة او مصالح لتحميه؟

والسؤال الآن: هل المدونات هي مجرد عبث كما يصفها البعض ام انها اعلام جديد وصحافة شعبية ام انها اعلام مستقل وبديل من خلال كونها صحافة شخصية فردية او صحافة مواطن؟

سأستعير عبارة المدون واستاذ الاعلام التونسي جمال الرزن- صاحب مدونة http//jamelzran.jeeran.com- في ان المدونات هي «إنترنت داخل الانترنت» لاضيف ان ظاهرة المدونات ايا كان توصيفها هي احدي الثورات الانسانية والحقوق التعبيرية، الاهم في القرن الحادي والعشرين.

وهذا ما ادعي ساسة ومشاهير ومنهم «آلان جوبيه» الذي صار اشهر بلوجر في فرنسا، وكذلك نائب الرئيس الايراني السابق «محمد علي ابطحي» اشهر مدون في ايران قبل ان يدخل الرئيس احمدي نجاد عالم التدوين، واخيرا الرئيس الامريكي الحالي باراك اوباما للتدوين.

مصر والاعلام المستقل

في منتصف تسعينيات القرن الماضي في امريكا انطلقت المدونات وانطلقت تقارير المدونين، وصاحب الفضل في هذا هو «درادج ريبورت» الذي يعتبر الاب الروحي للمدونات وهو من كان وراء نشر فضيحة «مونيكا لوينسكي»- السكرتيرة الخاصة للرئيس الامريكي الاسبق بيل كلينتون- وبذلك صار التدوين وعالم المدونات يقع في خانة الاعلام الجديد الذي لا يعتمد علي المصادر التقليدية للاعلام التقليدي، فالاعلام الجديد لعب تبديل الكراسي، صار القارئ او المشاهد هو مصدر ومنتج المادة الاعلامية، ولم يعد كالسابق يجلس علي الكرسي ليمسك بالصحيفة او ليشاهد التليفزيون، بل صار هو نفسه مصدر المعلومة او مصدر الخبر او علي الاقل شاهد عيان من قلب الحدث، وبذلك فإن المدونة هي ثورة اعلام واتصال جديدة حتي ان لم يستوعب البعض هذا.

وكما كانت مصر الفرعونية فجرا للتدوين صارت مصر الجديدة منبعا له ايضا، وكانت الانطلاقة مع مدونة «علاء ومنال» التي شجعت مئات الشباب ليدلوا بآرائهم السياسية عبر مدوناتهم ونتج عن ذلك انشاء مجتمع مصري للمدونات توج بحصول مدونة «منال وعلاء» - وهما زوجان اسمهما الحقيقي علاء ومنال- علي جائزة «الدويتشه فيلا» لافضل مدونة عربية عام 2005 بفضل كشفهما من خلال مادة وثائقية صورت بالموبايل عن بعض الوقائع وهو ما يثبت دور البلوجرز او الفلوجرز «اي المدونين عبر الكاميرا او عبر الفيديو» في بث مواد اعلامية كان يستحيل بثها بدونهما.

ما تقدم نبه الكثيرين من ذي الحس الاخباري والسياسي للدخل في عالم المدونات، وبانشاء مجمع التدوين المصري، وتضاعف عدد المدونين المصريين ظهرت اسماء لمدونين اخباريين وسياسيين علي الساحة مثل «طق حنك» و«أفريكانو» و»مصر ديجيتال».. وغيرها، لذلك يعتقد البعض ان الكتابة السياسية هي التي جعلت ظاهرة المدونات ظاهرة شعبية، وهذا ليس صحيحا فمواقع المعارضة موجودة علي الانترنت منذ سنوات، لكنها لم تحدث دوياً، لكن الحقيقة او المدونات الاخبارية او مدونات الخبر التي نقلت موضوعات واخباراً لم تطرقها الصحافة التقليدية حتي ان كانت الكترونية هي التي جعلت المدونات الاخبارية تتحدث عنها الخبراء بانها الاعلام الجديد او البديل.

وتشاء الاقدار ان يفجر المدونون المصريون مفاجأة ثانية مدوية لم يتطرق لها الاعلام من قبل، وربما لم يكن يجرؤ لأن يتطرق لها، «وأعلنوا بالصور في العيد الصغير لعام 2006 عن ظاهرة التحرش الجنسي بالفتيات بالشوارع الذي تم في هذا اليوم بوسط البلد في التحرير» وكان الخبر بالصور مثبوتاً عبر مدونة «مالكم اكس والوعي المصري» لـ وائل عباس. وبذلك نقلت الصحف الورقية الخبر عنهما، ثم قامت الصحف والمجلات القومية بفتح هذا الملف كملف مؤرق يدور في الشارع المصري نقلا عن تلك المدونات، ومع ذلك فقد شككت بعض الصحف في دقة الحصول علي المعلومة من المدونين وقامت بحملة كبيرة ضد المدونين.

بديل ام جديد؟!

اليقين ان المدونات قد فتحت الباب امام مصدر جديد من مصادر الاعلام، وهو مالا يحتاج الي اثبات بعدما ذكر سابقا، كما انها منحت العامة او الجمهور فرصة التعبير سواء اكانت كتابة صحفية ام كتابة ادبية ثم البث المرئي للافلام والمواد الاعلامية، وبهرتنا بان حولت اصوات الهواة لتصل الي الجمهور «رغم ان مقولة جمهور من المفروض انها الغيت لانه لم يعد هناك جمهور بالمعني القديم»، بعدما سيطرت لدهور مؤسسات صحفية واعلامية بعينها وفق ما كان يطلق عليه «كيانات الاتصال الجماهيري» فاصبح من حق المبدع والموهوب ايا كان «طبيباً او مهندسا او حرفيا» شابا ام كهلا طالبا ام خريجا ان يمارس حقه في الكتابة وحقه في ابداء الرأي وحقه في توصيل صوته وشهادته واعلامه الي العالم، لكن اصبح علي متلقي الخبر او المعلومة ان ينقد ما يره، فإما ان يصدق الخبر واما ان يكذبه.

السؤال الآن: هل اضحي للمدونات دور اخباري او دور في نقل الخبر، نعم اصبح لها دور اخباري بدليل تجاربها العالمية والعربية الموضحة سابقا.

وهل اصبحت المدونات مصدرا للمعلومة الموثوقة الاجابة ليست يقينية وتعود الي مصداقية المدون ذاته او مدي مصداقية المدون «تماماً كما تسألني هل تثق في خبر اذاعته قناة حزب الله ام تثق في نفس الخبر الذي اذاعته القناة الاسرائيلية الثانية لكن برؤية مختلفة» او تعود لأدواته الثبوتية التي يستخدمها من مواد فيديو محملة او صور واضحة من الحدث، وبذلك فإننا يمكن ان نعتبر المدونات الاخبارية مصدرا للمعلومة مادامت المعلومة موثقة بالصوت والصورة، اي اننا نحكم القرائن هنا حتي نقطع الشك باليقين، ومع ذلك فإن بعض الصحف تهاجم المدونات والمدونين بتعميم وتتهمهم بالكذب وتستهزئ من اعتبارهم «إعلاميا بديلاً» او «اعلاماً جديداً» او كونهم «صحافة شعبية» او «صحافة مواطن».

انهم اعلام جديد ولا غرو فهم آلية العصر التي تناست سرعته وتتناغم مع وسائل اتصالاته وهذه هي سيرورة وصيرورة الاعلام، فبعدما كان الراديو هو الطاغي في الثلاثينيات اصبح التليفزيون الي جانب الصحافة هما المنتشرين،والان فان وسائل الاعلام الجديد «ومنها البلوجرز والفزوجرز» «مدوني الفيديو» تختصر كل مافات، لكنها لن تلغي ما فات وللمواطن الحق في اختيار اسلوب متابعته الاعلامية، هل يتابع الاعلام القديم فقط ام ينغمس مع الجديد ايضا، فالمدونات هي «باختصار تليفزيون وصحافة معا مع حرية ارحب في رصد وتناول القضايا»، بما ان بها اخبارا مكتوبة ومرئية عبر فيديو الانترنت او يوتيوب او عبر كاميرا كل مدون، اذن ثورة المدونات الاعلامية هي ثورة الثورات او الثورة التي جمعت فيها كل ما فات من وسائل اتصال وايصال، لكن مع اضفاء عنصر التفاعلية، ان الاعلام الجديد الغي فكرة ان مراسل القناة التليفزيونية او الوكالة الاعلامية يشترط ان يكون في قلب الحدث، فهناك المدون او الانسان العادي الذي بامكانه ان يصور الحدث بكاميرا الموبايل او بالكاميرا الشخصية وبامكانه ان ينقل الوقائع بحذافيرها وهو امر لصالح التنمية الاعلامية ولصالح حرية تداول المعلومات، وهو مع سرعة نقل الخبر.

فكم ستنتظر الفضائيات العربية ايضا لتدرج بلوجرز في صلب عملها اليومي، مثلما تفعل الجرائد المكتوبة الآن، من يراقب الشاشات الامريكية المتلفزة، يلاحظ انها شرعت في التعامل مع صحافة بلوجرز باعتبارها صحافة ناجزة، ففي الانتخابات الامريكية لعام 2004 استضاف تليفزيون ان بي سي ثلاثة بلوجرز، ليدلوا برأيهم في النقاش الامريكي عن الانتخابات العراقية، ولم يكن مفاجئا ملاحظة ان صحافة بلوجرز اكثر صراحة في مناهضة التورط الامريكي العسكري في العراق، خصوصا بعد الدخول في مرحلة بناء الامة العراقية.

وفي انتخابات 2008 الاوبامية كان المدونون هم مديري حملة نجاح فريق اوباما، كما دعت الخارجية الامريكية 8 مدونين مصريين لمراقبة الانتخابات الامريكية في 2008 ونقل آرائهم.

ولكن السؤال بعد كل ذلك، كيف تتحول المدونات بعد ان اثبتت جدارتها بطرح القضية «قضية الاعلام الجديد» في ان يكون اعلامهم اعلاما ملتزما بمعني اعلام ملتزم بنقل نبض الشارع دون رقابة، ودونما المحاذير والضغوطات التي كتمت علي الانفاس لسنوات، وفي ذات الوقت اعلاما ملتزما بالاخلاقيات الاعلامية وبالأدب والآداب الاعلامية او حتي الانسانية، «وهو الاتهام الموجه للمدونين حالياً».

نقيب المدونين

اعتقد ان هذا التنظيم هو المنتظر من قبل المدونين الذين يرفضون ذلك بداعي كبت الحرية، وبداعي ان كل واحد حر في اخلاقيات مدونته.

ولعل نقيب المدونين العرب «وهو وصف مجازي» وهو صاحب اشهر مدونة في القرن العشرين والحادي والعشرين الكاتب الصحفي «احمد رجب» بمدونته »نصف كلمة» بجريدة الاخبار هو خير مثال للمدون الملتزم والاعلامي الحر حتي وان كانت خانته بنصف كلمة في جريدة الاخبار اليومية قبل ان تخترع المدونات بعشرات السنوات، لكن فكرة «خانة نصف كلمة» وشكلها هي فكرة تتشابه تماما مع المدونات الموجودة علي الانترنت، فهل تستفيد المدونات العربية من تجربة الكاتب الصحفي «المدون» احمد رجب!!

اما الذين يستعجبون ان المدونين هم ادوات الاعلام «الجديد» و«البديل» وأنهم «الصحافة الشعبية» فهذا ليس العجيب او الغريب.. لكن العجيب الذي سنراه قريبا ان سلطة المدونات ستتسع ربما للدرجة التي ستجعلها «سلطة خامسة»!!

بمعني انها ستصبح لاول مرة في التاريخ الاعلامي السلطة الشعيبة علي السلطة الرابعة «الصحافة» وعلي باقي السلطات وهذا ما يستشرفه المتخصصون وهي فكرة تعود لكاتب المستقبليات والخيال العلمي السعودي «أشرف الفقيه».

-هذا الموضوع نقلاً عن مجلة روزا اليوسف

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق